—–وادي رم.. المنخفضات الجوية تربك حسابات المخيمات السياحية—-

العقبة– فيما أكملت المنشآت السياحية في وادي رم استعداداتها لاستقبال الزوار ضمن حملة “روحها بترد الروح” التي أطلقتها سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة لإنعاش السياحة الشتوية، جاءت رياح المنخفض الجوي الجديد لتجري بما لا تشتهيه سفن المخيمات السياحية.
فبين انخفاض حاد في درجات الحرارة وصل حد الصقيع ليلاً، وإغلاقات جزئية لبعض الطرق الصحراوية بسبب الغبار والسيول، وجد “وادي القمر” نفسه في عزلة مؤقتة، اذ أحجم الكثير من المواطنين عن زيارته، مفضلين دفء المنازل على مغامرة محفوفة بقرصات البرد القارس.
مخيمات خالية
في جولة لـ “الغد” على عدد من المخيمات السياحية المنتشرة في عمق الصحراء، بدا المشهد مغايراً لما هو مأمول في ذروة الموسم الشتوي، الخيام التي صُممت لتعكس تجربة البداوة الأصيلة بدت خالية إلا من عدد قليل من السياح الأجانب الذين جاؤوا مجهزين لمثل هذه الظروف، في حين غاب السائح المحلي بشكل شبه كامل.
يقول أصحاب المخيمات السياحية في وادي رم والديسة “كنا نعوّل كثيراً على عطلة نهاية الأسبوع وتزامُنها مع الحملات الترويجية الأخيرة، لكن التوقعات الجوية كانت أقوى من أي دعاية،” مؤكدين ان درجات الحرارة هنا تختلف عن العاصمة أو المدن الأخرى، ففي الليل، تتحول الصحراء إلى ثلاجة مفتوحة، ورغم توفيرنا لوسائل التدفئة والحطب، إلا أن الرهبة من الطريق وأحوال الطقس تسيطر على قرار الزائر.
وتأتي هذه الحالة الجوية في وقت أطلقت فيه سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة حملتها الطموحة “روحها بترد الروح”، والتي تهدف إلى تشجيع السياحة الداخلية إلى المثلث الذهبي (العقبة، وادي رم، والبترا) بأسعار تشجيعية وبرامج ترفيهية متنوعة، في وقت لاقت ترحيباً واسعاً عند إطلاقها، وحاليا تواجه الآن اختباراً صعباً أمام الطبيعة.
خسائر تشغيلية
يقول محمد الزوايدة أحد العاملين في المخيمات السياحية إن هذا العزوف يمثل ضربة موجعة لاقتصاديات المخيمات السياحية، التي تعتمد بشكل كبير على السياحة الداخلية لتعويض التذبذب في أعداد السياح الأجانب، مؤكداً أن تكاليف التشغيل في الشتاء مرتفعة للغاية، فتوفير التدفئة (سواء عبر المكيفات أو الحطب أو المدافئ النفطية) يستهلك جزءاً كبيراً من الميزانية التشغيلية، ومع غياب الزوار، تتحول هذه التكاليف إلى خسائر صافية.
ويقول أحد العاملين في المكاتب السياحية خليل عبد الله “كنا قد استبشرنا خيراً بحملة “روحها بترد الروح” وتوقعنا عطلة نهاية أسبوع مزدحمة، لكن الواقع كان صادماً، مؤكدا أن الحاجز النفسي لدى المواطن من الطريق الصحراوي أكبر من خوفه من البرد في المخيم.
ويشير إلى أن الأخبار المتداولة عن الغبار الكثيف وإغلاق بعض التحويلات جعلت الكثيرين يترددون، مضيفا “أنه اتصل به زبائن يسألون هل الطريق آمن؟، ورغم تطميننا لهم، إلا أن تحذيرات الأرصاد الجوية والدوريات الخارجية كانت أقوى تأثيرا، وهذا حق السائح الذي يريد رحلة استجمام لا رحلة مخاطرة”.
توقف الأنشطة الرياضية
ويؤكد الدليل السياحي محمد الخطيب أن أغلب الأنشطة الرياضية في وادي رم حاليا متوقفة تماماً لحين اعتدال الطقس، حيث أحجم عدد لا بأس به عن القدوم إلى وادي رم لا سيما السائح المحلي، مشيرا إلى أن المخيمات السياحية تنتظر السائح المحلي بفارغ الصبر لأنه هو المحرك الأساسي في العطلات القصيرة، وعندما يغيب السائح الأردني تتوقف دورة الحياة الاقتصادية في المخيمات السياحية.
ويبين “لعل العامل الحاسم الذي دفع الكثيرين للعزوف عن الزيارة حالة الطرق المؤدية إلى الوادي عبر الطريق الصحراوي الذي يعد الشريان الرئيسي للوصول إلى الجنوب والذي شهد خلال الأيام الماضية تدنياً في مدى الرؤية الأفقية بسبب الغبار المثار بفعل الرياح الشديدة، بالإضافة إلى إغلاقات احترازية لبعض الطرق الفرعية المؤدية إلى مناطق التخييم خوفاً من تشكل السيول المفاجئة.”
ويشير المواطن خالد المومني إلى أنه كان يخطط لرحلة عائلية إلى رم وقام بحجز خيمة بانورامية للاستمتاع بمنظر النجوم، لكن بمجرد سماع التحذيرات من الدوريات الخارجية حول حالة الطرق واحتمالية الانزلاقات أو الغبار الكثيف، قرر إلغاء الرحلة فوراً وعدم المخاطرة بسلامة عائلته، حتى وإن كانت العروض مغرية.
وجه آخر للمغامرة: سحر الشتاء الصامت
وعلى الجانب الآخر، هناك فئة قليلة من عشاق المغامرة يرون في هذا الطقس فرصة لا تعوض، كما يحلو للسائح الفرنسي جوليان الذي بين أن البرد هنا قارس، لكن السكون الذي يلف المكان لا يصدق والغيوم التي تعانق قمم الجبال الصخرية ترسم لوحة فنية لا تراها في الصيف، مؤكدا أنه جاء مستعدا لمثل هذه الأجواء بملابس ثقيلة، في وقت تحدى زملاؤه الظروف الجوية لالتقاط صور نادرة لوادي رم تحت غطاء الغيوم الكثيفة، وربما الثلوج الخفيفة إذا ما صدقت بعض التوقعات الجوية المتقدمة.
“العقبة الاقتصادية”: الحملة مستمرة والطقس ظرف مؤقت
من جانبه يؤكد مصدر مسؤول في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة أن الحملة مستمرة وأن البرامج لم تتوقف، مشيراً إلى أن “الطقس هو ظرف استثنائي ومؤقت”، مشيرا إلى أن السلطة والجهات ذات العلاقة تدرك تخوف المواطنين، وسلامتهم هي أولويتنا القصوى.
ويبين أن الحملة مصممة لتمتد لفترة طويلة، ونحن نراهن على عودة الزخم السياحي بمجرد انحسار المنخفض الجوي واعتدال الطقس لا سيما في وادي رم في وقت أكد فيه المصدر أن العقبة مستمرة في برامجها وزخمها السياحي لكافة الزوار والسياح.
ويشير المصدر إلى أن السلطة تعمل بالتنسيق مع كافة الجهات المعنية لضمان جاهزية البنية التحتية في المخيمات وتوفر وسائل الأمان، مؤكداً أن تجربة وادي رم في الشتاء لها سحر خاص، ونحن نحاول تسويق هذا السحر.
يُشار إلى أن عدد المخيمات السياحية في منطقة وادي رم، بمختلف تصنيفاتها، يبلغ نحو 144 مخيماً، موزعة داخل محمية رم الطبيعية وخارجها، وتقدّم منتجاً سياحياً متنوعاً يلبي اهتمامات الزوار من تجارب الإقامة البيئية والمغامرات الصحراوية.
ويُعد هذا المنتج رافداً مهماً يُضاف إلى منظومة المنتجات السياحية في كل من العقبة والبتراء، مساهماً في تعزيز التكامل السياحي بين الوجهات الرئيسة في جنوب المملكة، في وقت تسهم قطاعات مساندة في دعم عمل المخيمات وتنشيط الحركة السياحية، من أبرزها سيارات الجولات السياحية في صحراء وادي رم، وجولات الإبل، بما ينعكس إيجاباً على فرص التشغيل والدخل للمجتمع المحلي.

