30 قرشا خسارة بالطير الواحد.. فائض الإنتاج يتحول إلى مأزق لمربي الدواجن في جرش

جرش- لم تعد خسائر مزارعي الدواجن في محافظة جرش، مرتبطة بارتفاع كلفة الإنتاج وحدها، بل باتت تتشكل في الحلقة الأكثر حساسية من دورة الإنتاج، ولحظة خروج الطيور إلى السوق. فمع ارتفاع كميات الإنتاج وتراجع قدرة السوق على استيعاب المعروض، يجد المزارع نفسه أمام معادلة صعبة تتمثل بأنه كلما باع إنتاجه خسر، وكلما احتفظ به تحمل كلفا إضافية لا يملك في كثير من الأحيان القدرة على تغطيتها.
وأكد مزارعون في جرش أن الخسارة الحالية تصل إلى نحو 30 قرشا في الطير الواحد، في وقت يشهد فيه السوق وفرة كبيرة في الإنتاج، الأمر الذي يضع المربين أمام خسائر متراكمة تهدد قدرتهم على الاستمرار في دورة إنتاج جديدة، خصوصا أن المزارع لا يتحكم منفردا بسعر البيع، بينما تبقى عليه التزامات العلف والدواء والتدفئة والكهرباء والعمالة والنقل والتجهيزات.
وأضافوا أن المشكلة لا تتوقف عند انخفاض سعر البيع، وإنما في اتساع الفجوة بين ما يدفعه المربي لإنتاج الطير وما يحصل عليه عند تسويقه، وهذه الفجوة، وإن بدت للوهلة الأولى بضعة قروش، تتحول في المزارع التي تضم آلاف الطيور إلى خسائر بمئات أو آلاف الدنانير خلال دورة إنتاج واحدة.
ويحذر المزارعون من أن استمرار هذه المعادلة قد يدفع بعض المربين إلى تقليص أعداد الإنتاج أو الخروج من القطاع، بما يحمله ذلك من آثار على الأسر التي تعتمد على تربية الدواجن كمصدر دخل، وعلى استقرار سلسلة إنتاج غذاء أساسية في السوق المحلي.
بدوره، قال المزارع إبراهيم عقيل إنهم لا ينظرون إلى المشكلة باعتبارها أزمة سعر عابرة فقط، إذ يرون أن الخلل أوسع ويتعلق بطريقة إدارة الإنتاج وتسويقه، وآليات التنبؤ بحجم الطلب، وتوزيع الإنتاج على مدار العام، إلى جانب ارتفاع الكلف التي يدفعها المزارع قبل أن يصل المنتج إلى المستهلك.
نظام إنذار مبكر
ويرى أن المفارقة واضحة في سوق الدواجن، فوفرة الإنتاج لا تعني بالضرورة استفادة المنتج أو انخفاض السعر بما يتناسب مع هذه الوفرة، إذ قد يتحمل المزارع الجزء الأكبر من الخسارة في الوقت الذي تمر فيه السلعة عبر حلقات متعددة قبل وصولها إلى المستهلك النهائي، مما يعني أن استمرار الإنتاج بكميات تفوق قدرة السوق على الاستيعاب يؤدي إلى ضغط متواصل على أسعار باب المزرعة، ويجعل المربي في مواجهة مباشرة مع الخسارة.
وأشار عقيل إلى أن خفض الإنتاج بصورة فردية ليس حلا سهلا، لأن المزارع الذي يوقف دورة إنتاج قد يفقد حصته في السوق، بينما لا يملك بالضرورة معلومات دقيقة حول اتجاهات الطلب والأسعار في الدورة التالية.
أما المزارع محمد القادري، فيؤكد ضرورة إيجاد نظام إنذار مبكر للسوق، يعتمد على بيانات فعلية حول أعداد الصيصان المدخلة إلى المزارع، وكميات الإنتاج المتوقعة، وحجم الطلب المحلي، بحيث يستطيع المربون اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن أعداد القطعان قبل الدخول في دورة إنتاج جديدة. كما تبرز الحاجة إلى تعزيز دور الجمعيات والاتحادات الزراعية في جمع بيانات الإنتاج من المزارع، بدلاً من أن يعمل كل مربي بصورة منفردة ودون معرفة حجم المعروض المتوقع في السوق، فالمزارع الذي يبدأ دورة جديدة دون معلومات كافية عن الإنتاج المتوقع لدى الآخرين قد يجد نفسه بعد أسابيع أمام سوق مشبع لا تستطيع استيعاب إنتاجه.
وأضاف أن المزارعين يطرحون كذلك فكرة تطوير عقود تسويق مسبقة، بحيث يعرف المربي، قبل وصول الطيور إلى الوزن التسويقي، الجهة التي ستشتري إنتاجه والسعر أو آلية التسعير المتفق عليها. ومن شأن هذه الآلية، إذا صممت بصورة عادلة، أن تقلل من حالة عدم اليقين التي يعيشها المنتج عند البيع.
ومن وجهة نظر المزارع عبد الحكيم العجوري، فإن مسألة الكلف لا تقل أهمية عن الأسعار، فالمزارع يشتري العلف والطاقة والأدوية والمستلزمات بأسعار لا يستطيع التحكم بها، بينما يبيع إنتاجه في سوق مفتوح لا يملك فيه القدرة ذاتها على تحديد السعر. لذلك يرى مزارعون أن أي معالجة حقيقية للأزمة يجب أن تبدأ من دراسة كلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد بصورة دورية، وليس الاكتفاء بمتابعة سعر البيع النهائي.
استمرار انخفاض الأسعار
وأوضح أن حساسية الوضع تزداد في المزارع الصغيرة والمتوسطة، التي لا تمتلك هامشا ماليا كبيرا لتحمل خسائر متتالية، فخسارة 30 قرشا في الطير قد تبدو رقما محدودا عندما تقاس بطير واحد، لكنها تتحول إلى رقم ثقيل عندما تتكرر على مئات أو آلاف الطيور، لتلتهم رأس المال الذي يحتاجه المربي لشراء الصيصان والعلف وبدء الدورة التالية.
وأشار العجوري إلى أن الخسارة لا تنتهي عند بيع الطيور بسعر منخفض، إذ إن استمرار انخفاض الأسعار قد يضطر المربي إلى تأخير قرار البيع، ما يعني زيادة استهلاك العلف والعمالة والطاقة، وبالتالي ارتفاع كلفة الطير في الوقت الذي لا يرتفع فيه سعر بيعه، وهنا تتحول المشكلة من انخفاض سعر إلى دوامة خسارة تتسع مع مرور الوقت.
وتنتشر تربية الدواجن في جرش بين مزارعين يعتمدون عليها كمصدر رزق، وانعكاسات أي أزمة تتجاوز حدود المزرعة، ذلك أن المربي عندما يتراجع إنتاجه أو يتوقف عن العمل، تتأثر معه العمالة والنقل وتجار الأعلاف والأدوية والمستلزمات والخدمات المرتبطة بالقطاع، بينما يؤكد المزارعون أن المطلوب ليس رفع الأسعار بصورة تؤثر على المستهلك، وإنما الوصول إلى توازن عادل داخل سلسلة الإنتاج، بحيث لا يكون المربي هو الطرف الذي يتحمل الخسائر عند حدوث فائض في المعروض، بينما تبقى بقية حلقات السلسلة قادرة على العمل.
ومن المقترحات التي يطرحها مزارعون ويمكن أن تسهم في تخفيف الضغط إنشاء قواعد بيانات إنتاجية على مستوى المحافظات، وربطها ببيانات السوق الوطنية، بما يسمح بتقدير الكميات التي ستدخل السوق خلال الأسابيع المقبلة. كما يمكن تطوير آليات لتشجيع التخزين والتصنيع الغذائي عندما تكون الكميات المعروضة مرتفعة، بدلا من دفع المنتج إلى البيع الفوري تحت ضغط انخفاض الأسعار، مشيرين إلى أن معالجة أزمات الدواجن تحتاج إلى الانتقال من التعامل مع الخسارة بعد وقوعها إلى إدارة السوق قبل تشكل الأزمة. فالرقابة على الأسعار وحدها لا تكفي إذا كان أصل المشكلة مرتبطا بفائض إنتاج أو ارتفاع كلف أو ضعف التخطيط، كما أن مطالبة المزارع بخفض إنتاجه دون توفير بيانات واضحة وحوافز وآليات تسويق بديلة قد لا تكون قابلة للتطبيق.
وأجمعوا على أن القضية تحتاج إلى أن تقرأ باعتبارها أزمة استدامة إنتاج وليست مجرد تراجع مؤقت في الأسعار. فاستمرار الخسائر يعني تراجع الاستثمار، وتقليص أعداد الطيور، وربما خروج مربين من السوق، بينما قد يؤدي ذلك لاحقا إلى نقص في الإنتاج وارتفاع الأسعار على المستهلك.

