مهرجان جرش… لا تختزلوه بالغناء

اللواء الركن المتقاعد حسان عناب
=
مع اقتراب فعاليات مهرجان جرش كل عام، تعلو أصوات تُعارضه وتنتقده بحجج مكررة ومختزلة، تُصوّره وكأنه مجرّد سهرات طربية، متجاهلةً ما يحمله هذا الحدث من أبعاد وطنية وثقافية واقتصادية واجتماعية تتجاوز بكثير ما يُقال أو يُردَّد على عجل.
لمن أراد أن يرى بإنصاف، فإن مهرجان جرش ليس مناسبة للغناء فقط، بل هو فعالية وطنية شاملة تُسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية، وتخلق فرص عمل موسمية لأبناء المنطقة، وتُعيد جرش إلى الواجهة كحاضنة للتاريخ والثقافة والسياحة.
الواقع يقول أكثر من ذلك:
فخلال أيام المهرجان، تتحول مدينة جرش إلى موسم خيرٍ ونشاطٍ مجتمعي ملموس:
عشرات العائلات المنتجة من أبناء جرش والمناطق المجاورة تجد نافذة ذهبية لعرض منتجاتها المحلية، من المطرزات والمؤن والحرف اليدوية، وتُحقق دخلًا لم يكن ليكون لولا هذه الفرصة.
المزارعون يعرضون محاصيلهم الطازجة مباشرة للزوار، دون وسطاء، مما يفتح أمامهم سوقًا نادرة في ظل الركود، ويوفر لهم متنفسًا اقتصاديًا حقيقيًا.
شركات النقل، والمطاعم، والمحال التجارية تشهد حركة نشطة وازدهارًا غير معتاد، ينعكس إيجابيًا على الاقتصاد المحلي للمحافظة بأكملها.
فهل من الإنصاف أن تُختزل كل هذه الفوائد والمكتسبات المجتمعية في مشهد غنائي على المسرح؟
وهل المطلوب أن نُطفئ الضوء عن جرش لأنها تحتضن مهرجانًا ثقافيًا على مسرح روماني عمره آلاف السنين؟
تعطيل الحياة ليس من الحكمة، ولا من الصدق، بل إننا نؤمن أن الشعوب الحية لا تموت مع الألم، بل تُبدع وتبني وتزرع، وتُقيم الفعاليات التي تُحافظ على الروح، وتُرسّخ الانتماء، وتمنح الأمل رغم الجراح.
مهرجان جرش ليس فعالية منفصلة عن الواقع،بل هو نموذج حيّ يُجسّد كيف يمكن للثقافة، والاقتصاد، والانتماء الوطني أن تجتمع في زمان ومكان واحد.إنه مساحة تنبض بالحياة، تعيد جرش إلى خارطة السياحة المحلية والعربية، وتُسلّط الضوء على آثارها العريقة، وسوقها التاريخي، وكرم أهلها، وطيبة سكانها.
فلنكن منصفين… ولننظر إلى الصورة الكاملة. فمهرجان جرش هو وجه مشرق من وجوه الوطن، لا يجوز أن يُشوَّه بحجج مبتورة أو رؤى ضيقة