وصفي التل… ذكرى رجلٍ ما زال حيًّا في وجدان الأردنيين


محامي محمد صدقي الغرايبة

في كل عام، ومع اقتراب موعد ذكرى استشهاد دولة وصفي التل رحمه الله، يستعيد الأردنيون شيئًا من ذاك الزمن الذي توهّج فيه الإخلاص العام، وتقدّم فيه العمل على الشعارات، وازدحمت فيه القيم في مسيرة رجلٍ آمن بأن نهضة الدولة تصنعها سواعد أبنائها لا موائد الخطابات. لم تكن ذكرى وصفي مجرد مناسبة وطنية تُقرأ فيها الفاتحة وتُستعاد فيها صور قديمة؛ بل هي امتحانٌ شعوريّ حقيقي لوجدان شعب، يبحث – منذ عقود – عن رجل دولة يمتلك تلك الروح التي سكنت وصفي، وترك غيابها فراغًا ما يزال يتمدّد في الإدارات والقرارات والمواقف.

كان وصفي التل حالةً سياسية قبل أن يكون رئيس وزراء. تجلّى فيه الجمع بين صرامة القرار ورقة الإحساس بمصلحة الوطن. لم يكن يدير الدولة من خلف الأبواب المغلقة، بل كان في الميدان، يقود بقدوة، ويزرع القناعة قبل أن يطلب الطاعة. وربما لهذا السبب بقيت صورته حاضرة في الذاكرة الشعبية كمنارة لم تُطفأ رغم مرور السنين.

تعبير الأردنيين عن حرقتهم في هذه الذكرى ليس بكاءً على الماضي، بل هو دعوة متجددة لصناعة مستقبل مختلف. فالحنين إلى وصفي ليس حنينًا لشخصه فقط، بل لمنظومة قيم الصدق، النزاهة، الجرأة، احترام عقل المواطن، تقديس المال العام، والإيمان بأن الوظيفة العامة تكليف لا تشريف.

إنهم تواقٌون لرئيس وزراء يرى في المنصب مسؤولية ورسالة، لا فرصة ولا مرحلة عابرة. تواقٌون لرجلٍ يحضر في التفاصيل، ويسمع لنبض الشارع دون أن يتخلّى عن هيبة الدولة، ويوازن بين عقلانية القرار وإرادة الإنجاز.

ربما لا يعيد الزمن وصفي التل بشخصه، لكن يمكن للدولة أن تعيد إنتاج روحه عبر اختيار من يمتلكون ذات المبادئ حتى لو اختلفت ظروف المرحلة.
المطلوب ليس “نسخة طبق الأصل” – فهذا مستحيل – بل مطلوب رجال دولة يحملون صفاته الأساسية في الانتماء الصادق، والكفاءة الفعلية،

حين يستذكر الأردنيون وصفي، فهم لا يستعيدون حادثة اغتيال، بل يستعيدون فكرة أن الوطن يمكن أن يقوده رجال يؤمنون به أكثر من إيمانهم بأنفسهم ، وكلما تكررت الذكرى، تجدد السؤال: هل سيأتي يومٌ يُقال فيه إن الفراغ الذي تركه وصفي قد امتلأ؟

شخصيا لا اعرف الإجابة بكل تأكيد !!

دمتم بخير
المحامي محمد صدقي غرايبه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.