الهناندة يكتب : عجلون… من اسمٍ على جامعة إلى عهدٍ مع الوطن

بقلم: الأستاذ الدكتور فراس الهناندة_ رئيس جامعة عجلون الوطنية

في الأردن، لا تُحمَل الأسماء عبثًا، فبعضها يتحوّل مع الزمن إلى هوية، وبعضها الآخر يصبح التزامًا أخلاقيًا، وعهدًا غير مكتوب مع الوطن، واسم عجلون، في الوعي الأردني، لم يكن يومًا مجرد جغرافيا، بل قيمة متراكمة من الرجولة، والعلم، والانضباط، والتضحية.

الشهيد الطيار فراس العجلوني كان واحدًا ممن فهموا هذا المعنى مبكرًا، لم يتعامل مع اسمه كلقب، بل كمسؤولية، حمله في سلوكه، وفي انضباطه، وفي حضوره العسكري الهادئ، حتى صار العجلوني فيه فعلًا قبل أن يكون اسمًا، وانتماءً قبل أن يكون تعريفًا.

نشأ فراس في دولة جعلت من الجندية عقيدة، ومن الانتماء ممارسة يومية. ففي كل مرة يظهر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مرتديًا بدلته العسكرية، تتجسد الفكرة الأردنية الخالصة: قيادة تبدأ من الميدان، وتعرف أن من يحمي الوطن يستحق الرعاية، والاحترام، والتقدير، وأن الشهادة ليست خسارة، بل ذروة العطاء.

من هذا المناخ الوطني، تشكّلت شخصية الشهيد، شابٌ أدرك أن السماء التي يحلّق فيها ليست فضاءً مفتوحًا، بل أمانة، وأن الدفاع عن الأردن لا يُقاس بطول الخدمة، بل بصدقها، فارتقى وهو يؤدي واجبه، ثابتًا كما جبال عجلون، واضحًا كما القيم التي نشأ عليها.
وهنا، يتجاوز الاسم حدوده الفردية، ليصبح رمزًا جماعيًا.

فالعجلوني لم يكن حالة استثنائية، بل نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه أبناء عجلون، ولكل من ينتسب إلى هذا الاسم مكانًا أو علمًا أو جامعة، ونحن في جامعة عجلون الوطنية، لا نرى في الاسم عنوانًا مؤسسيًا فقط، بل رسالة مستمرة، فطلبتنا الذين يجلسون اليوم على مقاعد الدراسة، سيغادرون الجامعة حاملين اسم عجلون معهم إلى كل مرحلة لاحقة من حياتهم، سيُعرَفون به في مواقع العمل، وفي مواقع القرار، وفي مؤسسات الدولة، وسيُحاسَبون أخلاقيًا قبل أن يُقيَّموا مهنيًا.

ولهذا، فإن سيرة الشهيد فراس العجلوني حاضرة في وجداننا الجامعي، لا بوصفها قصة فداء فقط، بل بوصفها معيارًا، فنقول لطلبتنا: هكذا يُشرَّف الاسم، وهكذا يُحمَل، وهكذا يُعاد تعريف النجاح ليكون التزامًا قبل أن يكون إنجازًا، ففي هذا السياق الوطني المتكامل، تتلاقى مسارات الشباب، والعلم، والانضباط، وخدمة الدولة، فهناك من يحمل القلم، وهناك من يحمل السلاح، وهناك من يجمع بين المعرفة والالتزام، وكلهم يلتقون عند نقطة واحدة: أن الأردن لا يُبنى إلا بأبنائه، ولا يُحمى إلا بوعيهم.

لقد ارتقى الشهيد فراس العجلوني، لكن اسمه لم يغادر، بقي في ذاكرة الوطن، وفي ضمير عجلون، وفي كل طالب سيتخرّج من جامعة تحمل هذا الاسم، ويعرف أن عليه أن يكون على قدره، فعجلون ليست اسمًا نردّده، بل عهدًا نحمله، وليست ماضيًا نفتخر به فقط، بل حاضرًا نُحاسَب عليه، ومستقبلًا يجب أن يكون جديرًا بمن سبق.

رحم الله الشهيد الطيار فراس العجلوني، وحفظ الأردن قويًا بأبنائه، راسخًا بقيمه، معتزًا بقيادته الهاشمية، وماضيًا بعجلون… اسمًا ووطنًا ومعنى لا يزول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة