بيوت العقبة القديمة.. هوية معمارية تصارع البقاء أمام زحف الحداثة

العقبة – بينما تتسابق الرافعات العملاقة لملء أفق العقبة بالفنادق الزجاجية والمجمعات التجارية الحديثة، تقف بضع بيوت متناثرة في “البلدة القديمة” و”المنطقة التجارية الثانية” كشواهد صامتة تروي قصة مدينة كانت تعيش بإيقاع البحر والصحراء قبل أن يداهمها ضجيج الحداثة المتسارع.
هذه البيوت، التي قد يراها البعض مجرد جدران متهالكة من الطين والحجر، كشفت دراسة علمية حديثة وموسعة أنها تمثل “الشيفرة الوراثية” لهوية العقبة، وتحافظ على الذاكرة وتوثق الهوية المعمارية القديمة، وتسهم في حفظ الذاكرة المكانية للموقع وذاكرة المجتمع، بما يعزز الروابط الاجتماعية والانتماء الثقافي، وأن إزالتها ستعني تحويل العقبة إلى مدينة بلا ذاكرة، ونسخة مكررة من أي مدينة ساحلية أخرى في العالم.
وجاءت الدراسة، التي حملت عنوان “توثيق المباني التراثية في مدينة العقبة”، وأعدتها الدكتورة رانية قدحات، وبدعم من مديرية ثقافة العقبة ضمن مشاريع مجلس محافظة العقبة، لتكون بمثابة صرخة تحذير مدعمة بالأدلة الهندسية والخرائط الرقمية (GIS) والنمذجة ثلاثية الأبعاد، مقدّمة خارطة طريق لإنقاذ ما تبقى، وتحويله من عبء على التخطيط الحضري إلى أيقونة للجذب السياحي.
وبينت الدراسة أنها “جاءت من الشعور بالخطر المحدق، فمع التحولات العمرانية الهائلة التي شهدتها العقبة، واختفاء معالم بارزة مثل المقبرة القديمة التي أزيلت وتحولت إلى مشاريع حديثة، تنبه القائمون على الشأن الثقافي إلى أن الدور قادم لا محالة على البيوت التراثية المتبقية”.
قيمة معمارية وإنشائية عالية
وتؤكد الدكتورة قدحات “أن الهدف، إدراكا لسباق مع الزمن، هو إثبات بلغة العلم والهندسة أن هذه المباني تمتلك قيمة معمارية وإنشائية عالية، وأنها ليست خربا كما يحلو للبعض وصفها لتبرير هدمها”، مشيرة إلى أنها “استخدمت أحدث تقنيات التوثيق العالمية، ولم تكتف بالوصف، بل لجأت إلى الرفع المساحي الهندسي، واستخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لتحديد المواقع بدقة وربطها بمحيطها العمراني، وصولا إلى النمذجة ثلاثية الأبعاد التي أظهرت جماليات الواجهات وتفاصيل البناء الداخلي التي لا تراها العين العابرة”.
كما أشارت قدحات إلى “أن الدراسة شملت منطقتين رئيسيتين، هما البلدة القديمة والمنطقة التجارية الثانية الشرقية، وركزت بشكل معمق على أربعة نماذج معمارية تمثل جوهر العمارة العقباوية، منها منزل المرحوم الحاج سالم حسين، ومنزل محمود محمد آل درويش، ومنزل عائلة الجهني”.
وأضافت، “عندما يتطرق الحديث إلى جمالية العمران العقباوي، فإنه يغوص في ذكاء فطري في التعامل مع البيئة القاسية، حيث تستعرض الدراسة كيف نجح البناء العقباوي القديم في ترويض مناخ العقبة الحار دون مكيفات هواء. ففي تحليل لبعض المباني يظهر بوضوح استخدام تقنية البناء بالطوب الطيني، وهي مادة بسيطة تمتلك قدرة هائلة على العزل الحراري، حيث تمتص حرارة النهار وتمنع دخولها إلى الغرف، ثم تطلقها ليلا حين يبرد الجو. وتتجلى مهارة استخدام الحجر المحلي الممزوج بالطين في الأسقف والجدران السميكة، وتظهر الرسومات الهندسية والمقاطع العرضية التي أوردتها الدراسة كيف كانت الأسقف تبنى بجذوع الأشجار (الخشب) والطين، مما يخلق مظلة واقية وعازلة”.
وتشير الدراسة، بحسب قدحات، إلى “تفصيل معماري بالغ الأهمية، وهو الديوان أو المضافة، كما ظهر في مساقط منزل عائلة ضيا، إذ كان مؤسسة اجتماعية، وكان التصميم المعماري يخدم اللمة والتكافل، حيث يوفر الفناء الداخلي الخصوصية لأهل البيت، بينما يستقبل الديوان، المشرع الأبواب، الضيوف وعابري السبيل. وهذه التفاصيل الدقيقة التي وثقتها الدراسة عبر النمذجة ثلاثية الأبعاد، تظهر أننا أمام مدرسة معمارية متكاملة الأركان، تعكس هوية بصرية فريدة تجمع بين خشونة الصحراء وانفتاح البحر، وهي هوية لا يمكن تعويضها بأي حال من الأحوال إذا ما تم هدم هذه المباني”.
وقالت قدحات: “لكن، وفي خضم هذا الجمال، يبرز الألم عند الحديث عن التحديات والمخاطر، حيث تشير الدراسة بوضوح إلى ما أسمته التحول العمراني الجذري، وإزالة المقابر القديمة شاهدا على تغول الحداثة على التاريخ. فالمشكلة الكبرى التي تواجه هذه البيوت تكمن في موقعها الإستراتيجي، إذ تقع غالبا في قلب المدينة، حيث أسعار الأراضي فلكية، مما يسيل لعاب المستثمرين لتحويلها إلى أبراج تجارية. وهنا تبرز المغالطة الكبرى التي تفندها الدراسة، والمتمثلة في الاعتقاد بأن القيمة الاستثمارية للأرض أعلى من قيمة المبنى التراثي”.
قابلية الترميم والتدعيم
وأشارت إلى أن “الدراسة أثبتت من خلال التحليل الإنشائي، بأن العديد من هذه المباني ما تزال تتمتع بمتانة إنشائية جيدة، وقابلة للترميم والتدعيم بتكاليف معقولة جدا مقارنة ببناء جديد. والأهم من ذلك أن قيمتها كمنتج سياحي ثقافي تفوق بكثير قيمة أي محل تجاري تقليدي قد يحل محلها”.
وبشأن الرؤية المقترحة للدراسة، فتتمثل وفق مُقترحاتها في إنشاء مسار العقبة التراثي، بحيث يتم ربط البيوت الموثقة بمسار سياحي للمشاة، يبدأ السائح جولته من المنطقة التجارية، مروراً ببيت ضيا وبيت أبو سيد، وصولاً إلى الشاطئ.
ويتم تزويد هذا المسار بلوحات إرشادية تعتمد على المعلومات التاريخية الدقيقة التي وفرتها الدراسة، وتطبيقات ذكية تتيح للسائح رؤية شكل الحياة قديماً عبر هاتفه.
كما تدعو الدراسة إلى إعادة التوظيف التكيفي؛ فبدلاً من تحنيط المباني كمتاحف صامتة، يمكن بث الحياة فيها عبر تحويل أحد البيوت إلى نزل تراثي يمنح السائح تجربة المبيت في بيت عقباوي أصيل، وتذوق الأكل المحلي، وهي تجربة يبحث عنها السائح الغربي بشغف وتُدِرُّ عائداً مادياً كبيراً، كما نجحت تجارب مماثلة في السلط وعجلون، أو تحويل بيت آخر إلى مشغل للحرف اليدوية، حيث يرى الزوار كيف تُصنع (السمسمية) أو الحرف البحرية، وتخصيص مساحات لمقاهٍ ثقافية ومعارض فنية تحاكي روح المكان، مع التأكيد على ضرورة الشراكة المجتمعية؛ فإشراك المجتمع المحلي، وتحديداً عائلات العقبة العريقة، في عملية الاستثمار والتشغيل، يجعلهم الحراس الطبيعيين لتراثهم والمستفيدين اقتصادياً منه.
ووثقت الدراسة عبر المقابلات الميدانية مشاعر جياشة لأهالي العقبة، حيث يقول أحد كبار السن، خليل أبو عوالي، من سكان البلدة القديمة ممن شملتهم المقابلات، إن هذه البيوت هي “ريحة أمهاتنا وتعب آبائنا”، مؤكدا أن السائح يأتي ليرى كيف كانوا يعيشون، لا ليرى زجاجا وإسمنتا يشبه ما في بلاده.
أما المواطن ماضي ياسين، فيقول: “حين نهدم بيتا تراثيا لبناء مول تجاري، فإننا نستبدل الأصل النادر بالأصل المتكرر، فالمولات موجودة في كل مكان في العالم، لكن بيت أبو سيد لا يوجد إلا في العقبة، والسائح الأوروبي لن يقطع آلاف الأميال ليرى واجهات ألمنيوم، بل ليرى الحجر والطين ويسمع قصص الناس”.
وتضع الدراسة توصياتها في نقاط عدة، على رأسها إصدار قرار بوقف الهدم، ومنع منح أي تراخيص هدم للمباني الموثقة في هذه الدراسة، واعتبارها منطقة حماية تراثية، بالإضافة إلى التصنيف الرسمي بإدراج مبان رئيسة ضمن سجل التراث الوطني من الدرجة الأولى، مما يمنحها حصانة قانونية ضد التغيير الجائر.
صندوق ترميم العقبة
كما تقترح الدراسة إنشاء صندوق ترميم العقبة، وهو صندوق تمويلي مشترك تساهم فيه السلطة والقطاع الخاص (الفنادق والشركات الكبرى) لدعم ملاك البيوت التراثية في ترميم عقاراتهم، مقابل تحويلها إلى مشاريع سياحية مدرة للدخل، وأخيرا، التسويق الذكي بدمج صور وقصص هذه البيوت في الحملات الترويجية العالمية للعقبة، تحت شعار “اكتشف الروح الحقيقية للعقبة”، لجذب نوعية جديدة من السياح المهتمين بالثقافة والتاريخ.
من جهته، يؤكد مدير ثقافة العقبة، طارق البدور، أن الوزارة تنظر إلى هذه الدراسة بوصفها “حجر أساس” وليست بحثا أكاديميا، مشددا على أن التراث العمراني في العقبة إرث وطني عام وجزء من ذاكرة الدولة الأردنية، ويوفر توثيقه قاعدة بيانات دقيقة وشاملة تسهل أعمال التأهيل والترميم العلمي المستقبلي، علاوة على حصر المواقع التراثية وتسجيلها في قوائم رسمية باستخدام أحدث التقنيات، مثل نظم المعلومات الجيومكانية (GIS)، لضمان حمايتها قانونيا، لتكون مرجعا للباحثين في دراسة التطور التاريخي والتقنيات المعمارية المستخدمة، مما يتيح فهمًا أعمق للإنجازات الفكرية والحضارية للأمم.
وأشار البدور إلى أن مديرية الثقافة تدعم بقوة مخرجات هذه الدراسة، وتضم صوتها للمطالبة بوقف أي أعمال هدم تطال ما تبقى من هذه الدرر المعمارية، وتتوافق رؤيتها تماما مع التوجه نحو الاستثمار الثقافي، لكي تكون هذه البيوت منارات إشعاع حضاري ومقاصد سياحية تروي قصة الإنسان الأردني وعلاقته بالبحر، مؤكدا أنهم سيعملون جاهدين، بالتنسيق مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، على تبني هذه التوصيات ووضعها موضع التنفيذ ضمن المخطط الشمولي للمدينة، لتعزيز التنمية المستدامة.

