عندما ينزل الخطيب إلى مستوى عامة الناس


محامي محمد صدقي الغرايبة

خطبة الجمعة في أصلها ليست محاضرة أكاديمية، ولا مناظرة فكرية، ولا استعراضًا ثقافيًا للمصطلحات، وإنما هي خطاب هداية وتذكير، موجّه إلى جمهور واسع تتباين ثقافاته ومستوياته التعليمية واهتماماته الحياتية. ومن هنا تنشأ الإشكالية التي نراها كثيرًا: خُطَبٌ تزدحم فيها المصطلحات الثقيلة، والعبارات المركّبة، والاستشهادات المعقّدة، حتى يغدو المنبر أقرب إلى قاعة جامعية منه إلى منبر وعظ وإرشاد.

ليس مطلوبًا من الخطيب أن يُبسّط إلى حدّ التفاهة، ولا أن يُفرّغ الخطبة من عمقها العلمي والشرعي، ولكن المطلوب أن يُحسن تنزيل العلم على واقع الناس، وأن يُحسن ترجمة المعاني الكبيرة إلى عبارات يفهمها البسيط قبل المثقف، والعامل قبل الأستاذ، والشيخ الكبير قبل الشاب المتعلم.

فالنبي ﷺ — وهو أفصح العرب وأبلغهم — كان يخاطب الناس على قدر عقولهم، ويختار من الألفاظ أوضحها، ومن المعاني أقربها إلى الفهم، حتى قال: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا». ولم تُنقل عنه خطبة امتلأت بمصطلحات فلسفية أو تعبيرات معقّدة، بل كان كلامه يجمع بين العمق والوضوح، وبين البلاغة والسهولة.

الخلل لا يكمن في المصطلح بحدّ ذاته، وإنما في موضع استعماله. فالمصطلح إذا كان ضرورة للفهم فهو محمود، أما إذا كان استعراضًا ثقافيًا أو رغبة في إظهار التمكن اللغوي، فإنه يتحول من وسيلة هداية إلى حاجز فهم. والخطيب الذي يُكثر من المصطلحات دون شرح، ينسى أن في المسجد من لم يُكمل تعليمه، ومن لا يقرأ إلا القليل، ومن جاء ليستمع طلبًا للهداية لا لاختبار حصيلته اللغوية.

والحقيقة أن أعظم الخطباء أثرًا ليسوا أولئك الذين يُبهرون الناس بمفرداتهم، بل الذين يخرج الناس من عندهم وهم يقولون: “فهمنا… وتأثرنا… وعزمنا على التغيير”.

فنزول الخطيب إلى مستوى العامة ليس انتقاصًا من علمه، بل هو ذروة فقهه. لأن فقه الدعوة ليس في كمّ المعلومات، بل في حسن إيصالها.

ولو أدرك الخطباء أن معيار نجاح الخطبة ليس إعجاب بعض المثقفين بها، بل فهم عامة المصلين لمضمونها، لتغيّر كثير من أساليب الخطابة اليوم.

إن المنبر أمانة، والكلمة مسؤولية، وأعظم البلاغة أن تقول المعنى الكبير بألفاظ يفهمه الجميع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.