وادي زقلاب.. “أيقونة” الشمال تترنح تحت وطأة الأنقاض ومخلفات المزارع

إربد– لم يعد هدير شلال “أبو شقير” ولا خرير ينابيع “الجحجاح” المشهد الغالب على وادي زقلاب، فالصور المشوّهة لركام الأبنية وتلال الروث الحيواني باتت تزاحم جمال الطبيعة الأخاذ في تدهور بيئي متسارع بات يهدد أحد أهم المتنفسات الطبيعية والموارد المائية في شمال المملكة.
زحف التلوث.. تشويه للمظهر العام وعامل طرد سياحي
رغم المقومات السياحية النادرة التي يمتلكها وادي زقلاب، إلا أن الطريق المؤدي إلى بساتينه تحوّل بفعل فاعل إلى “مكب غير رسمي”، إذ يؤكد مزارعون وأهالي المنطقة أن غياب الرقابة حوّل جوانب الطرق ومجاري المياه إلى ساحات لتفريغ أنقاض البناء ومخلفات مزارع الثروة الحيوانية، ما أدى إلى انتشار الروائح الكريهة والحشرات وتراجع ملحوظ في إقبال الزوار.
يقول المزارع محمد الفقية “التلوث لم يعد يقتصر على تشويه المشهد العام، بل بات ينعكس على جودة المياه والتربة، ويؤثر سلبا على المزروعات،” مشيرا إلى أن بعض المخالفين يستغلون غياب الرقابة ويرمون الأنقاض ليلا، ما يصعب ضبطهم.
ويضيف أن شلالات أبو شقير والمشروع بدأت تفقد قيمتها البيئية والسياحية، لافتا إلى أن الزائر اليوم يشاهد الأنقاض ومخلفات الحيوانات قبل أن يشاهد جمال الوادي، محذراً من أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يؤدي إلى عزوف الزوار نهائيا.
ويطالب أهالي المنطقة بضرورة توفير مواقع رسمية للتخلص من مخلفات الأبنية، وتنظيم آليات للتعامل مع مخلفات الثروة الحيوانية، إلى جانب وضع لوحات تحذيرية واضحة، وتفعيل الغرامات الرادعة بحق المخالفين، للحفاظ على وادي زقلاب كأحد أهم المواقع الطبيعية في شمال المملكة.
ويشير المزارع احمد بني ياسين إلى أن المشكلة لا تقتصر على تشويه المنظر العام، بل تمتد لتطال التربة والمياه، حيث تختلط مخلفات الحيوانات بمياه الأمطار وتنساب نحو مجرى الوادي، ما ينعكس سلبا على المزروعات وجودة المحاصيل، مضيفاً أن الروائح الكريهة والحشرات باتت تشكل معاناة يومية للمزارعين والعاملين في الأراضي الزراعية.
ويوضح أن شلالات أبو شقير ووادي زقلاب، التي كانت مقصداً للأهالي والزوار ووجهة للتنزه، بدأت تفقد بريقها بسبب التلوث البصري والبيئي المحيط بها، مؤكدا أن الزائر الذي يأتي اليوم إلى الوادي يشاهد الأنقاض ومخلفات الحيوانات قبل أن يستمتع بجمال الشلالات، معتبرا أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى تراجع الحركة السياحية الداخلية في المنطقة.
ويضيف بني ياسين أن غياب اللوحات التحذيرية، وضعف تطبيق القانون، شجعا البعض على التمادي في هذه الممارسات، محملا الجهات المعنية مسؤولية حماية الوادي من العبث، مضيفا أن مخلفات الحيوانات تختلط بمياه الأمطار، وتنساب باتجاه مجرى الوادي، ما يؤثر بشكل مباشر على التربة والمحاصيل الزراعية.
مطالبات بتشديد الرقابة
ويؤكد مواطنون أن حماية الوادي لا تتعلق فقط بالحفاظ على جماله، بل بضمان استدامة موارده المائية والزراعية، ومنع تحوله إلى بؤرة تلوث تهدد البيئة والإنسان معا، مطالبين بتوفير مواقع رسمية للتخلص من مخلفات الأبنية، وتنظيم آليات واضحة للتعامل مع مخلفات الثروة الحيوانية.
يقول المواطن احمد الزعبي “رغم ما يتمتع به وادي زقلاب في لواء الكورة بإربد من مقومات طبيعية نادرة، تشمل بساتين ممتدة وشلالات مائية معروفة مثل شلال أبو شقير وشلال وادي زقلاب، إلى جانب ينابيع مياه الجحجاح، إلا أن الطريق المؤدي إلى بساتين الوادي بات يشهد تدهورا بيئيا متسارعا، بفعل الرمي العشوائي لمخلفات الحيوانات وأنقاض الأبنية على جوانبه وفي مجرى الوادي،” مشددا على ضرورة إدراج وادي زقلاب ضمن المواقع التي تحظى بحماية بيئية خاصة، ووضع لوحات تحذيرية وإرشادية، وتنفيذ حملات توعوية تبرز أهمية الوادي البيئية والسياحية.
ويطالب بضرورة توفير مواقع رسمية ومحددة للتخلص من مخلفات الأبنية، وتنظيم آليات للتعامل مع مخلفات مزارع الثروة الحيوانية، إلى جانب تشديد الغرامات وتفعيل الرقابة الليلية، التي تعد الفترة الأكثر تسجيلا لمخالفات الرمي العشوائي، داعيا إلى إطلاق حملات توعوية تسلط الضوء على أهمية وادي زقلاب البيئية والسياحية، ووضع لوحات إرشادية وتحذيرية على مداخل الطريق والوادي، توضح العقوبات المترتبة على المخالفين.
ويلفت مزارعون إلى أن الطريق الذي يستخدمونه للوصول إلى بساتينهم تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ما يشبه المكب غير الرسمي، حيث يتم رمي مخلفات مزارع الثروة الحيوانية، إضافة إلى أنقاض الأبنية الناتجة عن أعمال البناء والهدم، خصوصا خلال ساعات الليل، مستغلين ضعف الرقابة وبعد المنطقة عن التجمعات السكنية.
خطر بيئي وتلويث للينابيع
ويحذر مختصون في الشأن البيئي من أن تراكم المخلفات في مجرى الوادي قد يؤدي إلى تلوث ينابيع الجحجاح، التي تشكل مصدراً مائيا مهما للمنطقة، إضافة إلى الإضرار بالتنوع الحيوي وزيادة مخاطر انجراف التربة خلال فصل الشتاء.
يبين الخبير البيئي أسامة العمري أن تراكم المخلفات في مجرى الوادي وعلى أطرافه يشكل تهديدا حقيقا لينابيع مياه الجحجاح، التي تعد مصدراً مائياً مهماً للمنطقة، لافتا إلى أن مخلفات الحيوانات تحتوي على بكتيريا ومواد عضوية قد تؤدي إلى تلوث المياه السطحية والجوفية، في حال استمرار تراكمها دون معالجة.
ويضيف أن رمي أنقاض الأبنية، بما تحويه من بقايا إسمنت ومواد بناء، يساهم في تغيير الخصائص الطبيعية للتربة، ويعيق الجريان الطبيعي لمياه الأمطار، ما يزيد من مخاطر الانجراف والسيول خلال فصل الشتاء.
ويقول الناشط في مجال البيئة علي مقدادي أن وادي زقلاب ليس مجرد موقع طبيعي عابر، بل يمثل إرثا بيئيا وزراعيا وسياحيا لشمال المملكة، وأن التفريط به يعني خسارة مورد طبيعي يصعب تعويضه، مؤكدا أن الوقت لم يعد يحتمل الحلول المؤقتة، وأن المطلوب اليوم خطة متكاملة تعيد للوادي اعتباره وتحميه من التلوث والاعتداء.
ويوضح أن حملات النظافة عادة ما تكون موسمية وعلى نظام “الفزعة” وسرعان ما تعود المشكلة من جديد ما يستوجب وضع حلول دائمة تضمن عدم تكرار الاعتداءات البيئية، مشيرا إلى أن الوادي لا يخدم فقط المزارعين، بل يشكل متنفساً طبيعياً لأهالي لواء الكورة والمناطق المجاورة، ما يستدعي التعامل معه كمنطقة بيئية حساسة تستوجب حماية خاصة.
من جهته، يؤكد رئيس لجنة بلدية دير أبي سعيد المهندس مازن غوانمة أن رمي مخلفات الحيوانات وأنقاض الأبنية في الأودية والطرق الزراعية يعد مخالفة صريحة للأنظمة والتعليمات، مشيرا إلى أنها رصدت خلال الفترة الماضية عدداً من الاعتداءات البيئية في مناطق مختلفة، من ضمنها محيط وادي زقلاب والتي تعد من اختصاص وزارة الأشغال.
ويضيف أن البلدية تعتزم تنفيذ حملات رقابية مشتركة مع الجهات ذات العلاقة والمتمثلة بالأشغال والبيئية، وضبط المخالفين وتحويلهم إلى الجهات المختصة، إضافة إلى دراسة وضع حواجز ترابية أو عوائق في بعض المواقع لمنع دخول القلابات والمركبات التي تقوم بالرمي العشوائي.
بدوره يقول الناطق الإعلامي باسم وزارة الأشغال العامة والإسكان، عمر محارمة، إن مواجهة ظاهرة رمي الأنقاض والطمم بشكل عشوائي تعد مسؤولية مشتركة بين عدد من الجهات الرسمية، تشمل وزارات الأشغال العامة، والإدارة المحلية، والبيئة، إضافة إلى الإدارة الملكية لحماية البيئة، والبلديات، ومجالس الخدمات المشتركة، والحكام الإداريين، موضحا أن المتسببين بهذه الظاهرة يلجأون عادة إلى استغلال أوقات الليل أو ساعات الصباح الباكر لطرح الأنقاض بعيدًا عن الرقابة، ما يشكل اعتداء واضحا على الشوارع وتلويثًا للبيئة وتشويها للمنظر العام.
ويضيف أن الأنقاض تعد مصدرا لتطاير الغبار خلال فصل الصيف، فيما تؤدي في فصل الشتاء إلى انجرافها بفعل مياه الأمطار نحو الطرق، الأمر الذي يتسبب في إغلاق عبارات تصريف المياه في العديد من المواقع، ويزيد من المخاطر المرورية والبيئية، مبينا أن الوزارة قامت بوضع شواخص تحذيرية في المواقع التي يكثر فيها رمي الأنقاض، مؤكدا في الوقت ذاته أهمية تعاون المواطنين من خلال الإبلاغ عن مرتكبي هذه المخالفات، ليتم تحويلهم إلى الحكام الإداريين واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
ويؤكد المحارمة أن آليات وزارة الأشغال العامة والإسكان تعمل بشكل دوري على إزالة الطمم والأنقاض ضمن اختصاص الوزارة، إلا أن المشكلة تعود من جديد، ما يستدعي تضافر الجهود الرسمية والشعبية للحد من هذه الظاهرة والحد من آثارها السلبية على السلامة العامة والبيئة.

 أحمد التميمي/ الغد

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة