غابات عجلون بين مطرقة “المافيات” وسندان مشاريع التحريج

تقف محافظة عجلون اليوم أمام مشهد بيئي خطير، ففي الوقت الذي تتسارع فيه خطى مشاريع التحريج وزيادة الرقعة الخضراء، تواصل “مافيات التحطيب” استنزاف هذه الثروة الوطنية في صراع مفتوح تصفه أطراف بيئية بأنه صراع بين “يد تزرع ويد تقطع”.
وعلى الرغم من المساعي الحثيثة لتحويل المحافظة إلى واحة خضراء متكاملة، إلا أن مراقبين وناشطين يؤكدون أن هذه الجهود تظل قاصرة ما لم تقترن برقابة صارمة ورعاية مستدامة للغراس الجديدة بعيداً عن “فزعات” الزراعة الموسمية.
مطالبات بتشديد الرقابة وتغليظ العقوبات
يؤكد مواطنون وناشطون أن إضرام النيران بأشجار الغابات التي يفتعلها تجار الحطب وممارسة التحطيب الجائر تشكل خطرا كبيرا على الغطاء النباتي والتنوع الحيوي، مشددين على ضرورة أن تكون حماية الغابات أولوية قصوى للجهات المعنية وصولا إلى وقفها، وضرورة وضع خطط فاعلة لتوفير رعاية دائمة لجميع مشاريع التحريج التي تشهدها المحافظة في المناطق الجرداء، أو المناطق التي تناقصت أشجارها الحرجية جراء تعديات متكررة.
ويقول الناشط البيئي محمد الخطاطبة، إن مشاريع التحريج في المحافظة، تشكل ضرورة لا يمكن تجاهلها، وهي خطوة مهمة وإيجابية، داعيا إلى التزام الحكومة بما أعلنت عنه أواخر العام الماضي بعزمها تحريج مساحات شاسعة في المحافظة تبلغ 20 ألف دونم ما يسهم في النهوض بالواقع البيئي والتنموي في المحافظة.
ويؤكد ضرورة اختيار الأماكن المناسبة لمشاريع التحريج، وخصوصا القريبة من الطرق والأحياء السكانية، وتكليف طواقم من مختلف الجهات المعنية كالزراعة والبلديات، لتفقدها ورعايتها وريها بشكل منتظم، وخصوصا خلال أشهر الصيف، وتكثيف وتغليظ العقوبات على المعتدين على الثروة الحرجية.
وتقول الناشطة نبيهة السمردلي “على الجهات الرسمية المعنية والجهات الأهلية والتطوعية في المحافظة أن تسعى بشكل دائم إلى تنظيم الحملات السنوية لتحريج المساحات الخالية، وذلك بهدف تعويض الأشجار المتضررة والفاقد جراء التعديات والحرائق وتنفيذ المشاريع، وضمان زيادة الرقعة الخضراء في المحافظة، منوهة الى ضرورة استخدام المياه العادمة المعالجة لري مشاريع التحريج وتأهيل محطات الحراج والأبحاث في المحافظة.
ودعت إلى أن تتضمن الحملات المنفذة تجميل الطرق والساحات والحدائق والحفاظ على المساحات الخضراء وزيادتها، لضرورتها البيئية والتنموية، واتخاذ التدابير المتاحة لضمان نجاحها، مشددة على ضرورة تعزيز وسائل الحماية للغابات، واتخاذ أشد العقوبات بحق مافيات التحطيب.
ويؤكد مواطنون ان ارتفاع حالات التعدي على الاشجار الحرجية يتزايد خلال فصل الشتاء مع ازدياد الطلب على الحطب كمصدر رخيص للتدفئة، لافتين الى ان الغابات في الأردن وخصوصا غابات عجلون بحاجة إلى “منظومة حماية متكاملة” تجمع بين التكنولوجيا في المراقبة، والصرامة في التشريع، والاستدامة في الرعاية.
ويطالب المواطن عمر هزايمة بضرورة التركيز على زراعة المواقع التي شهدت تراجعا في كثافة الأشجار الحرجية فيها جراء الحرائق والتعديات، وكذلك القريبة من المشاريع السياحية والمواقع الأثرية، وتوفير صهاريج مياه وكوادر مخصصة من قبل الزراعة والبلديات ومجلس الخدمات لري هذه الأشجار بشكل منتظم لضمان نجاحها، قائلا: “بات من واجبنا الحفاظ على الرقعة الخضراء وزيادتها، عبر التوسع في مشاريع التحريج، وزراعة المساحات الخالية، وألا نتركها للظروف، كما كان يحدث في مشاريع تحريج، وينتهي بجفاف وموت كثير مما الأشتال”.
ويرى رئيس جمعية البيئة الأردنية علي فريحات، أن الحرائق والتعديات والجفاف الطبيعي لبعض الأشجار جراء التغيرات المناخية، قد تهدد الغابات، وتؤدي إلى تراجع المساحات الخضراء على المديين المتوسط والبعيد، لافتا إلى أن عزم الحكومة على تحريج مساحات كبيرة، يؤكد أنها مدركة تماما بأن بيئة المحافظة وغاباتها وطبيعتها الجميلة، ذات ارتباط مباشر بالتنمية السياحية التي بدأت تشهدها المحافظة، ما يستدعي مضاعفة الجهود،
وتعويض الفاقد جراء الحرائق والتعديات الناجمة عن تحطيبها، وتنفيذ المشاريع، واستمرار حملات التحريج على نحو دوري ومنظم، لافتا إلى أهمية تكثيف حملات التوعية والتثقيف المجتمعي بخطورة تقطيع الغابات والحرائق، وأثرها السلبي على البيئة والتنوع الحيوي والأشجار المعمرة والغطاء النباتي، والتنمية.
مبادرات محلية
على الجانب الآخر تقوم بلديات المحافظة بجهود كبيرة لزيادة الرقعة الخضراء في المناطق التابعة لها من خلال زراعة الأشجار ورعايتها.
يقول المدير التنفيذي في بلدية كفرنجة إبراهيم فريحات، إن البلدية وبتوجيه من وزارة الإدارة المحلية، نفذت الخميس الماضي، وبمشاركة مختلف الجهات الرسمية والأهلية والتطوعية، وفاعليات شبابية، حملة لزراعة أكثر من ألف شجرة حرجية بمنطقة المطل القريبة من سد كفرنجة، مؤكدا أن البلدية ستتكفل برعايتها باستمرار، إيمانا منها بأن الثروة الحرجية هي رأسمال المحافظة وأحد أهم الأسباب التي بدأت تسهم بتنميتها، وتشجع على جذب الاستثمارات المختلفة إليها.
ويبين الناطق الإعلامي ببلدية عجلون الكبرى الزميل محمود الفواز إن البلدية نفذت نهاية الأسبوع الماضي حملة تحريج واسعة لزراعة الأشجار الحرجية في منطقة القاعدة على طريق عجلون– عمان، وذلك بالتعاون مع الجهات المعنية والتطوعية، مؤكدا أن الحملة تأتي ضمن جهودها الرامية إلى زيادة مساحات الغطاء النباتي الأخضر في مختلف مناطق المحافظة، ورفع مستوى الوعي البيئي لدى المواطنين وترسيخ ثقافة التشجير والحفاظ على الطبيعة، إلى جانب تعويض الأشجار الحرجية التي تعرضت للاعتداء أو الفقدان خلال الفترة الماضية. وأكد الفواز أن الحملة ستستمر خلال الأيام المقبلة في عدد من المواقع داخل مناطق البلدية، ضمن خطة تستهدف تعزيز الاستدامة البيئية والمساهمة في الحد من آثار التغير المناخي، وتعويض الفاقد من الغابات.
إستراتيجية حكومية طموحة.. 20 ألف دونم للتحريج
في المقابل تؤكد الجهات المعنية أنها تبذل جهودا كبيرة في سبيل الحفاظ على الأشجار الحرجية من خلال تأمين كافة المتطلبات اللازمة لضمان استدامتها، وتفعيل سبل الرقابة المكثفة والتي أسفرت عن ضبط عدد من المعتدين وإحالتهم للقضاء.
وكان رئيس الوزراء جعفر حسان قد أكد خلال زيارته للمحافظة العام الماضي، أن التنوع البيئي والطبيعي والتاريخي في محافظة عجلون، يشكل فرصة مهمة لا بد من اغتنامها، عبر دعم التنمية فيها وتعزيز القطاعات الإنتاجية، مشيرا إلى خطة الحكومة لتحريج 20 ألف دونم في عجلون ضمن مشروع التحريج الوطني. ويبين مدير زراعة المحافظة المهندس رامي العدوان أن الوزارة قامت خلال العام الماضي وبداية العام الحالي بتنظيم العديد من الحملات لغرس الأشجار الحرجية في محيط محطة حراج ومراعي راجب ومحيط تلفريك عجلون ومنطقة القاعدة في عنجرة ومنطقة طريق الأغوار المطلة على سد كفرنجة.
ويؤكد أن الهدف من هذه الحملات هو زيادة الرقعة الخضراء في الساحات وجوانب الطرقات والمناطق التي شهدت حرائق وتعديات، مؤكدا أن الجهات الرقابية تبذل قصارى جهدها للحفاظ على الثروة الحرجية بشتى الطرق والسبل، ومنع الاعتداء عليها، سواء بالتقطيع الجائر أو الحرائق المفتعلة. ويؤكد أنه يتم اتخاذ عقوبات مشددة على مكرري الاعتداء على الغابات كالحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة وحجب ومنع الخدمات الحكومية كافة عمن يثبت اعتداؤه من خلال القضاء على الثروة الحرجية بقصد التجارة، لافتا إلى أنه لا يتم تخفيف العقوبات إلا ببراءة ذمة من مديرية الحراج بوزارة الزراعة، وأخذ تعهد حازم وصارم وقابل للتنفيذ الفوري من قبل الحكام الإداريين على كل معتد على هذه الثروة الوطنية.
يشار إلى أن كوادر حراج عجلون ضبطت خلال الشتاء الحالي، بالتعاون والتنسيق مع الإدارة الملكية لحماية البيئة عدة تعديات على الغابات، واشتملت على ضبط مركبات تحمل أطنانا من الأحطاب الحرجية الخضراء والمقطوعة بصورة غير قانونية.
وتم وفق مصادر الزراعة، تحرير الضبوطات الحرجية بحق الأشخاص المتسببين بها، والتحفظ على المركبات ومصادرة الأحطاب، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وتحويلهم إلى الجهات المختصة وفق الأصول.
وأكد المصادر، أن هناك حملات رقابية ومتابعة مستمرة من قبل كودار الحراج في مديرية الزراعة لحماية الثروة الحرجية من مافيات التحطيب، داعية المواطنين إلى ضرورة التعاون والإبلاغ عن أي مخالفات أو اعتداءات قد تتعرض لها الغابات في المحافظة.

