السوشال ميديا… أقرب إلنا ولا أبعدتنا عن حالنا؟ // المهندسه ايمان بني فواز

لم تعد السوشال ميديا مجرد منصات للتواصل، بل تحولت إلى مساحة تعيد تشكيل وعي الإنسان، نظرته لنفسه، وحتى تعريفه للنجاح والسعادة.
نستيقظ يوميًا على سيل من الصور والقصص والإنجازات السريعة، فنجد أنفسنا ـ دون أن نشعر ـ نقارن حياتنا الواقعية بحياة رقمية مُنتقاة بعناية. المقارنة لم تعد استثناء، بل أصبحت عادة يومية تُرهق النفس وتزرع شعورًا دائمًا بالنقص، حتى لدى أكثر الناس اجتهادًا.
المشكلة ليست في المنصات بحد ذاتها، بل في الصورة غير المكتملة التي تُقدَّم لنا على أنها “الحقيقة”. نجاح بلا فشل، سعادة بلا تعب، وحياة بلا انتظار. هذا التضليل الهادئ خلق جيلًا يستعجل النتائج، ويشكك في مساره، ويظن أن التأخر يعني الفشل.
السوشال ميديا قرّبت المسافات، نعم، لكنها في المقابل أبعدت الكثيرين عن ذواتهم.
صرنا نعيش لننشر، لا لنحيا.
نبحث عن التفاعل أكثر من القناعة، وعن القبول الرقمي أكثر من السلام الداخلي.
والأخطر من ذلك، أنها أعادت تعريف القيمة الإنسانية.
عدد المتابعين أصبح معيارًا، وعدد الإعجابات شهادة غير معلنة على (النجاح)، بينما الجهد الحقيقي، والتعب الصامت، والمحاولات غير المرئية لا تحظى بأي اهتمام.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن السوشال ميديا كانت منصة لكشف قضايا، ونقل أصوات، وفتح فرص لم تكن متاحة سابقًا. لكنها تبقى أداة، إما أن نستخدمها بوعي، أو نسمح لها أن تُعيد تشكيلنا دون إذن.
الوعي اليوم لم يعد رفاهية.
أن نعرف متى نغلق الشاشة، متى نتوقف عن المقارنة، ومتى نُذكّر أنفسنا أن الحياة لا تُقاس بمنشور، ولا تُختصر بقصة مدتها ثلاثون ثانية.
ربما لسنا بحاجة لترك السوشال ميديا،
بل بحاجة لاستعادة أنفسنا منها.
أن نعود للحياة كما هي: بطيئة أحيانًا، متعبة أحيانًا أخرى، لكنها حقيقية… وهذا كافٍ.
م. إيمان محمد بني فواز

