ربد.. “البوابير” تعود إلى المنازل من بوابة “الحنين” وارتفاع كلف التدفئة

ربد – مع اشتداد موجات البرد وارتفاع كلف التدفئة، تعود “البوابير” لتفرض حضورها في عدد متزايد من منازل محافظة إربد، في مشهد لم يعد مجرد حنين إلى الماضي، بل انعكاسا مباشرا للضغوط المالية التي تواجهها الأسر.
في شوارع وسط إربد وأحيائها، ما تزال بعض محلات تصليح “البوابير” تعمل بنشاط، رغم اختفاء العديد من المهن التقليدية؛ حيث أكد أصحاب بعض المحلات “أن هذه الحركة أعادت الحياة لمهن شبه منقرضة، مثل تصنيع قطع الغيار القديمة وإصلاح رؤوس البوابير التالفة، ما وفر فرص عمل مؤقتة للعديد من الشباب، إضافة إلى إعادة إحياء المعرفة التقليدية المرتبطة باستخدام هذه الوسائل القديمة بطرق آمنة وفعالة”.
وبحسب زيد، وهو أحد أقدم الفنيين، فإن “السنوات الأخيرة شهدت ازديادا واضحا في الطلب بعد فترة طويلة من الركود، خصوصا من الأسر والشباب الراغبين في إعادة تشغيل البوابير القديمة بدلا من شراء مدافئ جديدة باهظة الثمن”.
وأضاف “أن الطلب يرتفع بشكل خاص في المناطق المرتفعة والمنازل الكبيرة، حيث تزداد الحاجة إلى تدفئة متواصلة”، مشيرا في الوقت ذاته، إلى “أن هذا الإقبال أعاد الحياة لمهن كانت شبه منقرضة، وأتاح فرصا مؤقتة للعمل للفنيين الشباب”.
كما أشار زيد إلى “أن معظم الزبائن الآن من الشباب والأسر التي تسعى إلى توفير التكاليف، والبوابير القديمة أصبحت تعاد صيانتها وتشغيلها بدلا من شراء مدافئ جديدة”.
وأكد “أن عملية صيانة البوابير القديمة تتطلب خبرة ودقة، إذ يجب فحص جميع الأنابيب والأجزاء المعدنية للتأكد من خلوها من التسريبات أو الصدأ الذي قد يؤدي إلى خطر الحريق أو التسرب الغازي”.
إحياء عادات وموروثات قديمة
من جهة أخرى، أشار مواطنون إلى “أن استخدام البوابير لم يعد مقتصرا على التدفئة فقط، بل أصبح وسيلة لإحياء عادات وموروثات قديمة، مثل التجمع العائلي حول مصدر الدفء، وطهو بعض الأطعمة التقليدية على النار، وتسخين الماء بالطريقة القديمة التي كانت جزءا من حياة الأجداد”.
وأكدوا “أن إعادة تشغيل البوابير أعادت إلى المنزل روحا من الماضي، وخلقت جوا من الحميمية والذكريات العائلية، ما يجعل تجربة البوابير أكثر من مجرد توفير اقتصادي، بل تجربة تربط بين الأجيال وتعزز القيم الاجتماعية والثقافية”.
وقال المواطن أحمد عبيدات “إن الظروف الاقتصادية فرضت على أسرته العودة إلى الاعتماد على هذه الوسيلة التقليدية، خصوصا في منزلهم المرتفع الذي يحتاج إلى تدفئة لمساحات واسعة”.
وأضاف “أن البوابير توفر لهم الدفء المستمر في جميع غرف المنزل، كما يمكن استخدامها لتسخين الماء والطهو أحيانا، ما يجعلها وسيلة متعددة الاستخدامات تلبي احتياجات عدة في آن واحد”.
وأشار عبيدات إلى “أن إعادة تشغيل بوابير قديمة مكنتهم من توفير نصف ميزانية التدفئة مقارنة بشراء مدافئ جديدة، ما ساعدهم على توجيه الأموال المتبقية لتغطية حاجات أخرى، مثل الطعام والملابس والتعليم”، مؤكدا “أن هذا التحول لم يكن اختيارا فحسب، بل ضرورة فرضتها الظروف الاقتصادية الصعبة، خصوصا في المناطق المرتفعة التي تحتاج إلى تدفئة أكبر”.
من جانبها، تشير المواطنة أم محمد إلى “أن البوابير ليست مجرد وسيلة تدفئة، بل جزء من الذاكرة العائلية والموروث الاجتماعي، تربط بين الماضي والحاضر وتعكس طريقة واقعية للتعامل مع ضغوط المعيشة اليومية”، مضيفة “أن هذه التجربة أعادت للأجيال الشابة تقدير قيمة الوسائل التقليدية وأهميتها في توفير الراحة والدفء بأقل التكاليف”.
أما المواطن محمد الشبول، فيرى من جهته “أن اهتمام الشباب بإصلاح البوابير يعكس تحولا واضحا في ثقافة الاستهلاك لديهم، حيث أصبحت إعادة استخدام الأدوات القديمة خيارا أكثر عقلانية وذكاء من الاعتماد الكلي على التكنولوجيا الحديثة المكلفة”.
وأضاف “أن البوابير أصبحت جزءا من أسلوب حياتهم الشتوي، خصوصا في المنازل التي تتسع لأكثر من غرفة واحدة، كما أن التعامل معها علمهم طرق الصيانة الأساسية وكيفية التعامل مع المخاطر البسيطة، ما يجعلها تجربة تعليمية عملية تزيد من مهاراتهم في إدارة المنزل بكفاءة”.
تدفئة فعالة لمساحات واسعة
وقال المواطن حسن النعيمي “إن البوابير توفر تدفئة فعالة لمساحات واسعة، وهو ما لا توفره بعض أجهزة التدفئة الحديثة التي تتطلب استهلاكا كبيرا للكهرباء أو غاز التدفئة، ما يجعلها أقل جدوى من الناحية الاقتصادية”.
وأضاف أن العودة إلى البوابير لم تكن مجرد قرار اقتصادي، بل أيضا وسيلة للحفاظ على تقاليد العائلة، إذ كان جده يعتمد عليها لتدفئة المنزل خلال الشتاء وتوفير المياه الساخنة للطهو والغسيل.
وأكد النعيمي “أن أفراد أسرته استفادوا من البوابير بشكل مزدوج، فهي توفر الدفء، وفي الوقت نفسه يمكن استخدامها لتسخين الماء والطهو، ما يجعلها وسيلة اقتصادية شاملة، في حين تعد الصيانة الدورية والمراقبة المستمرة ضرورية لتفادي أي مخاطر محتملة، خصوصا في المنازل التي تحتوي على أطفال”، مشددا على “ضرورة وضع تعليمات واضحة للعائلة حول كيفية تشغيل البوابير بطريقة آمنة”.
وعلى جانب الصحة والسلامة العامة، شدد رئيس جمعية حماية الأسرة والطفولة في إربد، كاظم الكفيري، على “ضرورة توخي الحذر عند استخدام البوابير”، مشيرا إلى “أن الجمعية سجلت خلال المواسم السابقة حالات اختناق وإصابات عدة ناجمة عن الاستخدام الخاطئ لهذه الوسائل، سواء بسبب تشغيلها لفترات طويلة من دون تهوية كافية أو الإهمال في صيانتها”.
وأكد “أن الضغوط الاقتصادية لا يجب أن تكون سببا في تعريض أفراد الأسرة للخطر، وأن التوعية بأسس الاستخدام الآمن والصيانة الدورية أمر ضروري لضمان سلامة الجميع، مع مراعاة مسافة آمنة للأطفال عن مصدر الحرارة وتجنب تشغيل البوابير في الأماكن الضيقة المغلقة”.
من جانبه، أكد مصدر في الدفاع المدني “أن استخدام البوابير يتطلب التزاما صارما بإرشادات السلامة”، مشيرا إلى “أن الانتباه الدائم لمستوى التهوية داخل المنزل وتجنب وضع البوابير بالقرب من المواد القابلة للاشتعال من أهم الإجراءات الوقائية”.
وأوضح المصدر “أن الدفاع المدني يعمل على نشر حملات توعوية ميدانية وإلكترونية لتعليم الأسر كيفية استخدام البوابير بأمان، مع التركيز على المنازل التي تحتوي على أطفال وكبار سن”، مؤكدا “أن التوعية المستمرة تعد ركيزة أساسية لتقليل المخاطر، خاصة في ظل زيادة الاعتماد على وسائل التدفئة التقليدية مع ارتفاع أسعار الطاقة”.
إلى ذلك، يرى الخبير الاقتصادي محمد حسان “أن البوابير القديمة ما تزال تحظى بشعبية كبيرة بين الأسر، خصوصا في المنازل الريفية والمتوسطة الحجم والكبيرة، لما توفره من تدفئة فعالة لمساحات واسعة بتكلفة أقل مقارنة بالمدافئ الحديثة”.
وأشار إلى “أن المنزل المتوسط يحتاج إلى نحو 10 لترات من الكاز شهريا بسعر 6 دنانير للتر، أي حوالي 60 دينارا لتغطية احتياجات التدفئة والطهو وتسخين الماء، ما يجعل هذه الوسيلة حلا اقتصاديا عمليا، مع ضرورة المراقبة والصيانة لضمان السلامة”.
ومن وجهة نظر الباحث الاجتماعي محمد خصاونة، فإن “هذه العودة تعكس تحولات أعمق في سلوك المستهلك الأردني، إذ أصبحت الأسر أكثر حرصا على إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والبحث عن وسائل تدفئة عملية وفعالة ضمن إمكانياتها، ما يعكس قدرة المجتمع المحلي على التكيف مع الأزمات الاقتصادية”.
وأضاف “أن البوابير تحمل رمزية مرتبطة بالذاكرة الجمعية للأسرة الأردنية، فهي جزء من الموروث الثقافي والاجتماعي الذي يربط بين الماضي والحاضر، ويجعلها حلا واقعيا يجمع بين الفائدة الاقتصادية والحنين إلى أساليب حياة أكثر بساطة ومرونة، ما يجعل العودة إليها خيارا عقلانيا وعاطفيا في آن واحد، ويعكس تحولا واضحا في طريقة تفكير الأسر الأردنية تجاه إدارة الموارد المنزلية واستخدام وسائل الطاقة بكفاءة”.

