حرب اقتصادية لا عقائدية

المحامي الدكتور منتصر احمد القضاة
ان النزاعات الدولية القائمة في وقتنا الحالي تأخذ طابع ديني عقائدي في ظاهرها ، حيث لعبت القوى السياسية الدولية عبر عقود طويلة من الزمن ، بإفتعال ازمات وحروب كان وقودها الرئيسي الظاهر الاعتقاد الديني ، والدين منها براء ، فجميع الشرائع السماوية تدعو الى التسامح ونشر السلام وأعمار الارض ، فالله هو السلام ، فكيف لشريعة سماوية ان تدعو الى قتل الابرياء ، فالديانة اليهودية والمسيحية والاسلامية جميعا تخرج من سراج واحد ، فهي تدعو الى المحبة والسلام لا الى القتل والدمار ، فالكل يهتف بأسم الله داعيا النصر على الاخر ، والله براء من جميع افعالهم واقوالهم .
ان الصراع الاسرائيلي الامريكي من جهة وايران وحلفائها من جهة اخرى قد يكون الفتيل لحرب عالمية ثالثة مدمرة ، فإيران نظامها السياسي قد بني على عقيدة دينية وتحكم بأسم الدين ، واسرائيل بنيت على عقيدة دينية وتحتل وتحكم وترغب بالتوسع بأسم الدين ، وامريكا بنيت على اساس عقائدي ، ففي الحقبة الاستعمارية الاولى عندما وصل القادمون البروتستانت الى العالم الجديد ، حاملين معهم رؤية دينية خاصة لدورهم في التاريخ ، هولاء القادمون الجدد وخاصة فئة ( المتطهرون) اعتبروا انفسهم شعب الله المختار الذي هرب من الظلم والاضطهاد ليؤسس اورشليم الجديدة في القارة الامريكية ، حيث اكدت على هذه المعلومة الخطبة التي القاها جون وينثرب احد قادة المستعمرة البيوريتانية عام 1630 بعنوان نموذج المحبة والسلام المسيحية مستشهدا بكلمات سيدنا المسيح في الانجيل ، والتي اعتبرت هذه الخطبة ، احد النصوص التي اسست للهوية الامريكية والتي استشهد بها العديد من زعماء امريكا مثل جون كيندي و رولند ريغان و باراك اوباما ، فهذا الفكر الديني لم يختف مع علمنة الشعب الامريكي ، بل تحول الى عقيدة دينية محدثة ، فلم تعد امريكا شعب الله المختار بالمعنى المباشر بل اصبحت الامة الاستثتائية التي تحمل قيم الحرية والديمقراطية الى العالم .
ان الخطاب الديني الذي يستخدمه بعض القادة لاسباغ صفة التطرف والارهاب وتبادل التهم في جميع بقاع الارض ، ما هو الا للتغطية على الاطماع الاقتصادية ، وشاهدنا في هذا الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران وحلفائها بشكل غير مباشر من جهة اخرى ، فأساس هذه الحرب هي السيطرة الاقتصادية على العالم ، وهي حرب غير مباشرة بين امريكا والصين اكبر اقتصادين في العالم اليوم ، فالعلاقة الاقتصادية التي تجمع بين الصين وايران هي التي تشكل القلق للنظام السياسي الامريكي الذي يحركة من وراء ستار كبار الماليين والاقتصاديين الامريكان ، فالصين تستورد 1،38 مليون برميل نفط من ايران يوميا بما يشكل 13،6 % من واردات النفط الصينية ، وهو نفط خفيف من النوع الجيد الذي الذي تحصل عليه الصين بسعر تفضيلي بأقل من 8 الى 10 دولارات من سعر السوق حيث تعتمد عليه الشركات الخاصة المستقلة في شاندونغ والاستفادة من هذا السعر التفضيلي المخفض ، هذه الاسعار التفضيلية جاءت نتيجة اتفاقية التبادل التجاري التي وقعت بين الصين و ايران عام 2021 لمدة 25 عام حيث ان هذه الاتفاقية تتضمن استثمارات صينية في ايران بقيمة 400 مليار دولار امريكي منها 280 مليار دولار في قطاع النفط والغاز والبتروكيماويات و120 مليار دولار استثمارات في البنية التحتية الايرانية الخاصة بالتصنيع والنقل ، حسب ما جاء في مجلة بتروليوم ايكونوميست حيث بموجب هذا الاتفاق وفقا لوسائل الاعلام الايرانية تدخل ايران مبادرة الحزام والطريق الصينية – والتي من خلالها سوف تتعاون الصين اقتصاديا مع 150 دولة لتعزيز سيطرة الصين على الاقتصاد العالمي- ، بالاضافة الى امكانية ان تدفع الصين قيمة واردتها النفطية من ايران بالعملة الصينية او بعملات اضعف حصلت عليها من تجارتها مع بعض دول افريقيا او دول اسيا الوسطى .
ان من يحاول ان يبيع نفطه بغير الدولار يشكل تهديد مباشر للاقتصاد الامريكي ، فهيمنة امريكا اقتصاديا على العالم تنبثق بشكل اساسي من خلال ربط بيع النفط بالدولار الامريكي وهذا يشكل اكبر رافد ورافع للاقتصاد الامريكي ، وان من يحاول تخطي فكرة البترو دولار سيزول حتما ولو بالقوة وشاهدنا على ذلك ما حل بنظام الرئيسين الراحلين صدام حسين ومعمر القذافي ، فقد شنت الولايات المتحدة الامريكية هجوما مدمرا ادى الى زوال هذه الانظمة ومحوها عن الوجود لمجرد التفكير ومحاولة الخروج عن الوصاية الاقتصادية الامريكية .
ان الحالة الراهنة اليوم بين امريكا وايران ، تختلف اختلاف كبير عن الانظمة التي اشرنا اليها ، فإيران تتمتع بعمق جغرافي كبير ومساحات شاسعة حيث تبلغ مساحتها حوال 1،648 مليون كيلو متر مربع وعدد سكان يقارب 93 مليون نسمة مما يجعلها في المركز 18 عالميا من حيث المساحة وفي المركز الثاني في الشرق الاوسط من حيث عدد السكان ، مما يجعل من مهمة الولايات المتحدة الامريكية في القضاء على النظام الايراني ليست بالمهمة السهلة ، بالاضافة الى ارتباط ايران بتحالف اقتصادي عسكري حقيقي مع ثاني اكبر اقتصاد عالمي منافس للولايات المتحدة الامريكية وهو الصين .
ان تردد وتأخر ادارة ترامب في اتخاذ قرار بموعد توجيه الضربة الامريكية العسكرية للنظام الايراني حسب ما يشاع عبر وسائل الاعلام غير اكيد ، وان هذه الحشود العسكرية الغير مسبوقة في المنطة تعطي دلالات على حدث كبير ، لكن هذا التردد او التأخير قد يكون بسبب ضعف او عدم دقة المعلومات الاستخبارتية لدى الطرف المهاجم ، او على النقيض دقتها والتاكد بأن ايران خصم غير سهل ، فالجسر الجوي الذي انشاته الصين والطائرات التي هبطت مؤخرا في ايران قادمة من الصين اعتقد انها بما حوته من معدات ، قد غير من المعدالة وموازين القوة ، فالصين اعتقد اليوم لن تتخلى عن اخر معاقلها الاقتصادية في الشرق الاوسط وايران بالنسبة لها مصدر مهم وكبير للطاقة ولن تتخلى عنه بسهولة .
اعتقد ان النظام الايراني مطالب ان يدرس المعادلة بشكل جيد ، وان يتعلم من دروس الاخرين ، فالرئيس ترامب اشار بأكثر من مقابلة انه مازال هنالك مجال للتفاوض في حال تراجعت ايران عن ممارستها الحالية ، والكثير يعتقد ان ذلك مرتبط بملف الطاقة النووية ، لكن بوجهة نظري ان ما يقصده الرئيس ترامب ليس ملف الطاقة النووية ، وانما ملف التعاون الاقتصادي مع الصين ، فأذا ما تخلت ايران ونقضت اتفاقياتها التجارية مع الصين ، سنشهد تحول كبير للعلاقة بين النظام الايراني والنظام الامريكي ، ويبقى الننظام الايراني وحده هو القادر على تقدير موقفه ومصالحه ، لان عالم السياسة والاقتصاد لا تدوم به العداوة ولا يدوم به الود ، فلن نستبق الاحداث ولننتظر الساعات او الايام القادمة بما تحمله من تداعيات على العالم ، والتي نسأل الله ان يلهم الجميع سبيل الرشد ، لاننا في النهاية جميعا شركاء بالانسانية فلا يوجد بيينا رابح فالكل خاسر اذا ما اندلعت شرارة الحرب . عمان في الاول من شباط لعام 2026
بقلم المحامي الدكتور منتصر احمد القضاة

