الشعرة التي تفصل بين الحلال والحرام!!


محامي محمد صدقي الغرايبة

ما بين الحلال والحرام شعرة، لكنها ليست شعرة في الحكم، بل شعرة في ضمير الإنسان.
هي المسافة الدقيقة بين من يراقب الله في السر والعلن، وبين من يراقب الفرص والذرائع.

الإنسان في الأصل قادر على التمييز، ليس لأنه فقيه أو عالم، بل لأن فطرته السليمة تدله. يعرف متى يطمئن قلبه، ومتى يتململه القلق. يعرف متى يكون الكسب نقياً، ومتى يحتاج إلى كثير من التبرير ليقنع نفسه قبل أن يقنع الآخرين.

المشكلة لا تبدأ حين يختلط الحلال بالحرام، بل حين يبدأ الإنسان باختراع المبررات.
فكل حرام في بدايته يكون ثقيلاً على النفس، مستهجناً في الضمير، لكن كثرة التبرير تُضعف هذا الاستهجان، ومع الوقت يتحول الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى أمر مألوف لا يُستغرب.

تبرير أكل الحرام بذرائع الحاجة، أو الظروف، أو “الجميع يفعل ذلك”، لا يغير من حقيقته شيئاً. الحرام يبقى حراماً، حتى لو لبس ثوب الضرورة زوراً، وحتى لو زيّنه الإنسان لنفسه بألف حجة.

هنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ ليست في الوقوع مرة، بل في الاعتياد.
فمن يستسيغ لقمة الحرام اليوم، سيتعامل معها غداً وكأنها حق مكتسب، وبعد حين سيستغرب ممن ينكر عليه.

ولذلك كانت الوقاية في اجتناب الشبهات، لا لأنها حرام بالضرورة، بل لأنها الطريق الأقصر إلى الحرام. ومن يتق الله في هذه المنطقة الرمادية، يجعل الله له مخرجاً حين تضيق به السبل، ويرزقه من حيث لا يحتسب حين يظن أن الأبواب قد أُغلقت.

الضمير الحيّ لا يحتاج إلى فتاوى كثيرة، بل يحتاج إلى شجاعة القرار. شجاعة أن تقول: لا، حين تكون “نعم” أسهل وأقرب.

فما بين الحلال والحرام شعرة… لكنها شعرة لا يقطعها إلا من قرر أن يطفئ نور ضميره بيده

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.