اما الفقرُ في وطني فقد تجاوزَ كلَّ الحدودِ والخطوطِ،،،


منذر محمد الزغول

 

بدايةً يعلمُ اللهُ أنني ما أقدمتُ على كتابةِ هذا المقالِ إلا بعد تفكيرٍ عميقٍ، والوصولِ إلى قناعةٍ كاملةٍ أنَّ الفقرَ في وطني تجاوزَ كلَّ الحدودِ والخطوطِ، وأنَّ الأمورَ وصلتْ إلى مستوياتٍ لم نعهدْها منذُ سنواتٍ طويلةٍ خلتْ. فالكثيرُ من الأُسَرِ الأردنيةِ – وأنا واثقٌ من ذلك – أصبحتْ لا تجدُ قوتَ يومِها، وإذا وجدتهُ أصبحَ شغلُها الشاغلُ وهمُّها كيفَ تجدهُ في اليومِ التالي.

الغريبُ والعجيبُ أنَّ كثيرًا من الأُسَرِ الأردنيةِ التي لم نكن نسمعُ منها وعنها إلا كلَّ خيرٍ، أصبحَ اليومَ حالُها لا يسرُّ عدوًّا ولا صديقًا. فالفقرُ ضربَ بسيفِه البتَّارِ هذه العائلاتِ، وبشقِّ الأنفسِ أصبحتْ تُدبِّرُ أمورَها وأبسطَ مستلزماتِ حياتِها اليوميةِ.

للأمانةِ، أصبحنا اليومَ بأمسِّ الحاجةِ إلى وضعِ خططٍ وبرامجَ واضحةِ المعالمِ لمعالجةِ جزءٍ يسيرٍ من قضايا الفقرِ، والتي لم تعدْ ترحمُ أيَّ أحدٍ في هذا الوطنِ. فخططُ الجهاتِ المعنيةِ التي تهدفُ إلى معالجةِ قضايا الفقرِ والبطالةِ، وخاصةً في مجالِ توزيعِ المساعداتِ المعروفةِ كالطرودِ وغيرها، هي خططٌ باليةٌ وقديمةٌ لا يمكنُ لها أن تفيَ بالغرضِ، ولا يمكنُ أن تسدَّ رمقَ الأُسَرِ المحتاجةِ، هذا إن كان هناك بالفعلِ خططٌ حقيقيةٌ لمعالجةِ قضايا الفقرِ. رغمَ أنني على ثقةٍ كاملةٍ أنَّ كلَّ الخططِ وكلَّ ما يُقدَّم يأتي من بابِ الفَزْعَةِ التي لا تُسمنُ ولا تُغني من جوعٍ، ولا يمكنُ لهذه الفَزَعاتِ مهما كانت أن تحلَّ أيَّ مشكلةٍ.

حقيقةً، ما أدعو إليه في مقالي هذا هو أن ينزلَ كلُّ مسؤولٍ من برجِه العاجيِّ، ومن مكاتبِه المُرفَّهةِ، ليرى واقعَ الناسِ بدلَ الزياراتِ الاستعراضيةِ لبعضِ الجمعياتِ والأُسَرِ المحتاجةِ. فالمشكلةُ أكبرُ وأخطرُ من ذلك بكثيرٍ، فقد واللهِ بلغتِ المشكلةُ مستوياتٍ قياسيةً لم نعدْها من قبلُ، ولم يمرَّ بها مجتمعُنا أيضًا من قبلُ. فلا تجارةَ تُذكَرُ، وكثيرٌ من المحلاتِ أغلقتْ أبوابَها، وحدِّثْ ولا حرجَ عن الرواتبِ المُتهالكةِ التي لم تطلْها أيُّ زيادةٍ منذُ سنواتٍ طويلةٍ خلتْ. وماذا أقولُ أيضًا عمّا يتمُّ تخصيصُه بشقِّ الأنفسِ من صندوقِ المعونةِ الوطنيةِ للأُسَرِ المحتاجةِ؟ وماذا أقولُ أيضًا عن فواتيرِ شركاتِ الكهرباءِ والمياهِ والاتصالاتِ ومخالفاتِ السيرِ التي أتتْ على الأخضرِ واليابسِ؟ أما الأسعارُ فهي أيضًا الطامَّةُ والمصيبةُ الكبرى، فكلُّ شيءٍ يرتفعُ ويتضاعفُ في بلدي إلا رواتبَ الناسِ، وعبادُ اللهِ تتضاءلُ وتكادُ تنقرضُ، اللهمَّ إلا مخصَّصاتُ فئةٍ قليلةٍ تتنعَّمُ بخيراتِ البلادِ والعبادِ على حسابِ بقيةِ هذا الشعبِ الصابرِ المرابطِ.

أخيرًا، أتوجَّهُ بنداءٍ عاجلٍ إلى كلِّ صاحبِ ضميرٍ حيٍّ وصاحبِ قرارٍ في بلدي الذي أخافُ عليه من نسماتِ الهواءِ، أن يتَّقيَ اللهَ في عبادِ اللهِ، وأن نُعلنَها منذُ اليومِ ثورةً بيضاءَ على الفقرِ في وطنِنا. فلم تعدِ الأمورُ كما كانتْ، وحالُ الأُسَرِ الأردنيةِ يزدادُ كلَّ يومٍ سوءًا، بل وصلتِ الأمورُ إلى مستوياتٍ أخطرَ بكثيرٍ ممّا نظنُّ ونعتقدُ.

من أجلِ هذا كلِّه، أتمنّى على الحكومةِ وصُنّاعِ القرارِ في وطنِنا ألّا يكتفوا ببعضِ الحلولِ التي لا تُسمنُ ولا تُغني من جوعٍ، كتوزيعِ الطرودِ والتمورِ وغيرها. فنحنُ اليومَ بحاجةٍ – واللهِ – أن تُوقِفَ الحكومةُ كلَّ مشاريعِها، حتى لو كانتْ بناءَ مدارسَ ومستشفياتٍ وجامعاتٍ وتعبيدَ طرقٍ، وحتى لو كانتْ أيضًا مساجدَ وكنائسَ. فحلُّ مشكلةِ الفقرِ في بلدِنا أهمُّ من كلِّ هذه المشاريعِ، ويجبُ أن يحتلَّ سلَّمَ أولوياتِنا وسلَّمَ أولوياتِ صُنّاعِ القرارِ، هذا إن أردنا بوطنِنا وأهلِنا الخيرَ. ثم ما جدوى كلِّ هذه المشاريعِ والمدنِ الجديدةِ والعديدِ من الاستثماراتِ التي تتحدَّثُ عنها الحكومةُ، وشعبُنا الأردنيُّ العزيزُ وصلَ إلى حالةٍ مزريةٍ وصعبةٍ للغايةِ من الفقرِ وضيقِ الحالِ لم تشهدْها الأُممُ والشعوبُ إلا في الحروبِ والصراعاتِ التي نسألُ اللهَ العليَّ القديرَ أن يُجنِّبَنا ويلاتِها ومرارتِها، وأن يبقى وطنُنا مستقرًّا آمنًا تحتَ ظلِّ قيادتِه الهاشميةِ المظفَّرةِ.

 

والله من وراء القصد ،،،  

 

بقلم / منذر محمد الزغول

ناشر ومدير وكالة عجلون الاخبارية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.