عندما تُعلن الأجهزة الأمنية جاهزيتها…؟؟!!!

محامي محمد صدقي الغرايبة
في كل عام، ومع اقتراب إعلان نتائج الثانوية العامة يخرج علينا بيان مألوف من مديرية الأمن العام تعلن فيه جاهزيتها للتعامل مع أي تجاوزات قد ترافق إعلان النتائج. بيان يبدو للوهلة الأولى إجراءً احترازياً طبيعياً، لكنه في جوهره رسالة مؤلمة جداً عن واقع اجتماعي مختل، وعن ثقافة احتفالية فقدت بوصلتها، حتى باتت الأجهزة الأمنية تستعد لنتائج امتحان كما تستعد لمباراة عالية الخطورة أو حدث أمني استثنائي.
السؤال الذي يفرض نفسه … لماذا يحتاج إعلان نتائج طلبة مدارس إلى خطط أمنية؟
الجواب ليس أمنياً… بل سلوكي.
لقد تحولت فرحة النجاح – وهي لحظة إنسانية جميلة يفترض أن تكون داخل البيوت وبين العائلات – إلى مظاهر فوضى في الشوارع …مواكب سيارات تعطل السير، إطلاق عيارات نارية في الهواء وكأننا في ساحة معركة، إغلاق طرق، ترويع آمنين، وإرباك مدينة كاملة لأن طالباً نجح في امتحان الثانوية العامةً – وربما درجة الحرارة في صيف ملتهب اعلى من معدله في ذلك الامتحان .
أي منطق هذا الذي يجعل فرحة فردية تتحول إلى أزمة عامة؟
إن أخطر ما في المشهد ليس في المخالفة بحد ذاتها، بل في “تطبيعها”. أصبحنا نتعامل مع هذه المظاهر كأنها أمر طبيعي متوقع، حتى بات الأمن العام يعلن مسبقاً استعداده لها، وكأنها جزء من الطقس الاجتماعي المصاحب للنتائج.
وهنا تكمن المأساة.
المشكلة ليست في الشباب الذين يندفعون بحماسهم، ولا في الأهالي الذين يفرحون لأبنائهم، بل في ثقافة مجتمعية كرّست مفهوماً مشوهاً للفرح، يربط بين الاحتفال وبين الفوضى، وبين التعبير عن السعادة وبين انتهاك حق الآخرين في الطريق والهدوء والأمان.
أي فرح هذا الذي يُرعب مريضاً في بيته؟ وأي احتفال هذا الذي قد ينهي حياة إنسان برصاصة طائشة؟ أي نجاح هذا الذي يبدأ بإغلاق طريق عام وإزعاج آلاف الناس؟
المؤلم أكثر أن البعض لا يرى في ذلك خطأ، بل يعتبره “حقاً مشروعاً” للتعبير عن الفرح، وكأن الشارع ملك خاص، وكأن أمن الناس وسلامتهم أمر ثانوي أمام موكب سيارات وصوت منبهات وطلقات نار.
بيان الأمن العام لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه استعداداً أمنياً، بل يجب أن يُقرأ بوصفه مرآة لحالة اجتماعية تحتاج إلى مراجعة عميقة. فحين تضطر الأجهزة الأمنية لتوزيع دورياتها وترتيب خططها الميدانية بسبب نتائج امتحان مدرسي، فهذه ليست مشكلة أمن… بل مشكلة ثقافة.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الدوريات… بل إلى مزيد من الوعي… ولا نحتاج إلى بيانات جاهزية… بل إلى مراجعة سلوك.
فالنجاح الحقيقي ليس في علامة الطالب… بل في وعي المجتمع

