الوفاء والبيعة في الأردن… شرعية تاريخية وعهد يتجدد عبر الأجيال

بقلم : د .أحمد محمد بني عطا
تأتي ذكرى الوفاء والبيعة في الأردن بوصفها محطة وطنية ذات دلالات عميقة، تستحضر تاريخًا طويلًا من التلاحم بين القيادة الهاشمية والشعب الأردني، وتؤكد أن العلاقة بين الطرفين لم تكن يومًا علاقة سلطة وحكم فحسب، بل شراكة مصير ومسؤولية مشتركة، تأسست على الثقة، وتعززت بالوفاء، واستمرت بالعطاء.
فالبيعة في الأردن ليست مجرد طقسٍ دستوري أو مناسبة احتفالية، بل هي امتداد لشرعية تاريخية راسخة، تعود جذورها إلى الثورة العربية الكبرى، وما حملته من قيم التحرر والوحدة والكرامة، وإلى الدور الهاشمي الذي ارتبط منذ بداياته بخدمة الأمة، والدفاع عن قضاياها، وصون مقدساتها. ومن هنا، تشكل البيعة تعبيرًا صادقًا عن إرادة شعب اختار قيادته عن قناعة، وجدد معها العهد جيلًا بعد جيل.
وفي هذه الذكرى، يجدد الأردنيون بيعتهم لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، مستذكرين مسيرة حافلة بالتحديات والإنجازات، قاد فيها جلالته الوطن بحكمة واتزان، وسط محيط إقليمي شديد الاضطراب، محافظًا على أمن الأردن واستقراره، ومرسخًا مكانته دولةً تحظى بالاحترام والثقة على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد تجلت معاني الوفاء المتبادل في مواقف القيادة الهاشمية التي وضعت مصلحة الوطن والمواطن في صدارة أولوياتها، فحرصت على صون كرامة الإنسان الأردني، وتعزيز دولة القانون والمؤسسات، والمضي في مسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، رغم ما يواجهه الأردن من تحديات اقتصادية وضغوط خارجية. وكان واضحًا أن الرهان الدائم للقيادة كان، ولا يزال، على وعي الأردنيين وقدرتهم على تجاوز الصعاب بروح المسؤولية والانتماء.
ويبرز الدور التاريخي للأردن، بقيادته الهاشمية، في الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث واصل جلالة الملك أداء دوره المحوري في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، انطلاقًا من الوصاية الهاشمية التي تمثل مسؤولية دينية وتاريخية وأخلاقية، وتحظى بإجماع أردني وعربي واسع. وقد شكّل هذا الدور شاهدًا إضافيًا على التزام القيادة بمبادئها، ووفائها لرسالتها، رغم تعقيدات المشهد السياسي الإقليمي والدولي.
إن ذكرى الوفاء والبيعة تدفعنا للتأمل في معنى المواطنة الصادقة، التي لا تقتصر على المشاعر والشعارات، بل تتجسد في العمل، والالتزام، وتحمل المسؤولية، واحترام القانون، والحفاظ على وحدة الصف الوطني. فهي مناسبة نجدد فيها التأكيد على أن قوة الأردن لم تكن يومًا في موارده المحدودة، بل في تماسك مجتمعه، ووعيه، والتفافه حول قيادته، وقدرته على تحويل التحديات إلى فرص.
كما تمثل هذه الذكرى دعوة مفتوحة لتعزيز الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ ثقافة الحوار، والانخراط الإيجابي في مسيرة الإصلاح والتحديث، بما يخدم مصلحة الوطن، ويحفظ استقراره، ويضمن مستقبلًا أفضل للأجيال القادمة. فالبيعة، في جوهرها، ليست التزامًا من طرف واحد، بل عهد متبادل يقوم على المسؤولية، والشفافية، والعمل المشترك.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، يبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الواعي، نموذجًا للدولة المتماسكة التي تعرف اتجاهها، وتدرك حجم التحديات من حولها، وتواجهها بعقلانية وحكمة، دون أن تتخلى عن ثوابتها أو تمس قيمها الوطنية.
وفي ذكرى الوفاء والبيعة، يؤكد الأردنيون مرة أخرى أن ولاءهم لقيادتهم الهاشمية ليس موقفًا موسميًا، بل نهج راسخ، وعهد ثابت، وإيمان عميق بأن الأردن سيبقى، بعون الله، وطنًا آمنًا، قويًا، عصيًا على الانكسار، ما دام الوفاء متبادلًا، والبيعة صادقة، والإرادة الوطنية حاضرة.
حفظ الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحمى قيادته الهاشمية، ووفق أبناءه لمواصلة مسيرة البناء بعزيمة وثقة وأمل.

