وادي رم.. “أيقونة عالمية” تشكو الفوضى وتردي الخدمات

العقبة – يمثل وادي رم حالة فريدة من التمازج بين سحر الطبيعة وعمق التاريخ الجيولوجي، وهو ما جعله قبلة لصناع السينما العالمية ومحمية مدرجة على قائمة التراث العالمي.
لكن وبمجرد انقشاع الضياء تتجلى حزمة من الأزمات المزمنة التي تهدد ديمومة الموقع.
فبين بريق الشهرة العالمية وواقع الحال، يعاني الوادي من اختلالات تنظيمية ملموسة وتدهور في البنية التحتية، فتنامي المظاهر العشوائية لا يهدد النسيج البيئي للمنطقة فحسب بل ينذر بفقدان الوادي لمكانته كوجهة سياحية فاخرة، وتحوله إلى بيئة خدمية متواضعة لا ترتقي لعظمة قيمته التاريخية والطبيعية.
الوجه الآخر للقمر.. حينما يصبح الجمال نقمة
لا يحتاج الزائر المتفحص لوادي رم إلى وقت طويل ليدرك أن ثمة خللا ما في إدارة هذا المورد العظيم، فالشكوى واقع يعيشه السائح والمستثمر وابن المجتمع المحلي على حد سواء.
يقول الزائر جمال الفلاحات: “التحدي الأبرز والأخطر الذي يواجه وادي رم اليوم هو الانتشار السرطاني للمخيمات السياحية غير المرخصة، إذ تحول في السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لكل من هب ودب لإنشاء مخيم عشوائي،” مضيفا: “المخيمات التي تفتقر للعديد من الخدمات وتستنزف موارد المياه الجوفية الشحيحة أصلا في الصحراء بطرق غير قانونية، وتتخلص من نفاياتها الصلبة والسائلة بطرق بدائية تؤدي إلى تلوث التربة والمياه، والأخطر من ذلك هو التعدي على المناطق المحمية، إذ يتم تجريف الأرض ونصب الخيام في مواقع حساسة بيئيا وأثريا، ما يهدد بتدمير طبقات جيولوجية وتاريخية لا تعوض”.
ويبين الزائر محمد الترك: “على الرغم من أن وادي رم يستقبل مئات الآلاف من الزوار سنويا، فإن البنية التحتية في المنطقة ما تزال تراوح مكانها، وكأننا في ثمانينيات القرن الماضي”، مشيرا إلى أن الطرق المؤدية إلى بعض المواقع السياحية الحيوية وعرة وضيقة، وتفتقر إلى الإشارات التحذيرية والإنارة الكافية، مما يتسبب في حوادث متكررة، بالإضافة إلى شبكات الاتصالات والإنترنت، التي تعد “شريان الحياة” للسائح المعاصر الراغب في مشاركة تجربته لحظيّا؛ إذ تعاني من ضعف شديد وتغطية متقطعة في مساحات واسعة من الوادي.
ويرى العامل في القطاع السياحي محمد القيسي أنه رغم شهرة وادي رم العالمية، ما زال وادي رم يعاني من تشتت في الجهود التسويقية، مؤكدا أن السائح يجد نفسه ضائعا بين عشرات المواقع الإلكترونية والوسطاء غير الرسميين، مع تفاوت كبير في الأسعار وجودة الخدمات.
ويشير إلى أن غياب منصة رقمية موحدة وموثوقة للحجز والمعلومات يفتح الباب واسعا أمام عمليات النصب والاستغلال، مما يضرب مصداقية السياحة الأردنية في الصميم.
التنوع الجيولوجي للمكان
يمثل وادي رم كتابا مفتوحا يروي قصة تطور القشرة الأرضية، فالتشكيلات الصخرية الفريدة من الحجر الرملي والجرانيت، التي نحتتها الرياح والمياه، خلقت مشهدا سرياليا من الأقواس الطبيعية، والجسور الصخرية، والأخاديد الضيقة (السيق) التي لا مثيل لها في العالم.
وبحسب مختصين، فإن هذا التنوع الجيولوجي منح الوادي مكانته في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2011، كأحد المواقع القليلة التي تجمع بين القيمة الطبيعية والثقافية، إذ يضم أكثر من 25 ألف نقش صخري و20 ألف رسمة توثق رحلة الإنسان في هذه الأرض منذ 12 ألف عام، وتروي هذه النقوش حكايات الصيد والرعي، وتطور الأبجدية العربية الأولى (الثمودية والنبطية)، وتعكس التفاعل العميق بين الإنسان وبيئته القاسية.
ويبينون أن وادي رم يحتل موقعا متميزا بقربه من مدينة العقبة ومن مدينة البترا (إحدى عجائب الدنيا السبع)، يجعله حجر الزاوية في “المثلث الذهبي”.
وهذا الموقع يمنحه ميزة تنافسية هائلة، إذ يمكن للسائح الجمع بين سياحة الشواطئ والغوص، وسياحة الآثار والتاريخ، وسياحة المغامرات والصحراء، في رحلة واحدة قصيرة، لافتين إلى أن الوادي بما يملكه من مقومات بات مقصدا لصناعة السينما العالمية والمخرجين والمنتجين.
الاستجابة الرسمية
يرى مفوض شؤون السياحة والشباب في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ثابت حسان النابلسي أن المطلوب هو تغيير جذري في النهج وأن التحركات الأخيرة لسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة تشير إلى بداية مرحلة جديدة من التخطيط الاستراتيجي، مبينا أنه أمام هذا الواقع المعقد تدرك السلطة أن سياسة إدارة الأزمات تحتاج إلى خريطة طريق شاملة.
ويؤكد أن تطوير وادي رم ضرورة وطنية، والعمل يجب أن يكون شموليا ومستداما، مشيرا إلى أن الهدف هو الاستثمار الذكي في التنوع الحيوي، لافتا إلى أن تطوير المنطقة المسَيَّجة في المحمية يمثل نواة لمشروع سياحي بيئي منظم، إذ جرى وضع خطة تتضمن إنشاء مسارات للمشاة والدراجات، ووضع لوحات تعريفية ذكية، وبناء مركز استقبال عصري، ومطلات بانورامية تتيح للزوار الاستمتاع بالمشهد دون المساس بخصوصية المكان، إضافة لمشروع طموح لإعادة إكثار “المها العربي” الحيوان النادر.
ويدرك القائمون على الملف السياحي أن السائح اليوم يبحث عن “الأدرينالين”، لذلك، تم تسليط الضوء خلال الجولة على “مسار الدراجات الهوائية” الجديد الذي تم تصميمه وفق معايير السلامة العالمية وتزويده بالإشارات والعواكس، يمثل نقلة نوعية في تنويع المنتج السياحي، بالإضافة إلى سياحة الدراجات في الصحراء تجذب شريحة مختلفة من السياح، كما أنها سياحة صديقة للبيئة بامتياز، حيث لا وقود ولا ضجيج، وهذا التوجه يضع وادي رم في منافسة مباشرة مع وجهات عالمية مثل صحراء “مواب” في يوتا الأميركية.
وبحسب الخطة التي وضعتها السلطة فسيتم التركيز على الجانب التراثي من خلال استثمار موروث سباقات الهجن، والتي هي صناعة تدر الملايين في دول الخليج، بعد تأهيل المضمار في وادي رم ليصبح وجهة لسباقات إقليمية ودولية، من شأنه أن يجذب استثمارات ضخمة، وينشط حركة السياحة الرياضية، ويوفر دخلا مجزيا لمربي الإبل من أبناء المجتمع المحلي.
المجتمع المحلي.. المعادلة الصعبة والحل السحري
يؤكد خبير التنمية الاجتماعية والاقتصادية، الدكتور محمد التعمري أنه لا يمكن الحديث عن أي تطوير في وادي رم دون التطرق للعنصر البشري، فسكان المنطقة هم جزء أصيل من هوية المكان، وأي خطة تتجاوزهم محكوم عليها بالفشل الذريع.
ويقول: “إدماج المجتمع المحلي هو بوليصة تأمين لاستدامة وادي رم”، مضيفا: “حينما يشعر ابن المنطقة أن هذا الوادي هو مصدر رزقه، وأن السائح هو ضيفه وشريكه، فإنه سيتحول تلقائيا إلى حارس للطبيعة وسيتصدى بنفسه لأي مخيم عشوائي أو ممارسة تضر بالبيئة، لأن الضرر سيمس جيبه مباشرة، أما إذا تم تهميشه، فسيتحول إلى عنصر ضغط ومعيق للتنمية”. ويبين أن ما تقوم به السلطة من زيارات للاستماع لملاحظات العاملين في الميدان وتحدياتهم هو التطبيق العملي لمفهوم التنمية التشاركية، فالمواطن في وادي رم يعرف شعاب الوادي أكثر من أي مخطط حضري يجلس خلف مكتب مكيف، والاستماع إليه ضرورة تخطيطية، قائلا: “الرهان اليوم هو أنسنة السياحة في وادي رم، فالمكان بلا أهله مجرد صحراء قاحلة، ومعهم يصبح قصة حية تروى للعالم، والتوجه نحو تمكين الشباب والنساء، وربط سباقات الهجن والحرف اليدوية بالمنتج السياحي، هو الطريق الوحيد لفك شيفرة المعادلة الصعبة وتحويل التحدي الديموغرافي إلى فرصة تنموية هائلة”.
وتقول الناشطة التنموية فاتن ضياء الدين: “التركيز على تمكين المرأة في وادي رم يمثل هدفا استراتيجيا، إذ إن نساء المنطقة يمتلكن مهارات حرفية عالية في النسيج وصناعة المشغولات اليدوية التي تعكس تراث البادية، إلا أن المشكلة كانت دائما في التسويق”، مشددة على أن المطلوب ربط المنتجات الحرفية بالمسار السياحي الرسمي مما يخلق سوقا دائما ومستداما لهذه المنتجات.
وتشير إلى أن السائح سيتمكن من شراء تذكارات أصلية صنعت بأيادي نساء المنطقة، مما يضمن تدفق العوائد المالية مباشرة للأسر المحلية، ويحقق التنمية الاقتصادية الشاملة.
وترى أن التدريب والتأهيل المحلي هو قلب الاستدامة ويجب العمل على إقامة أكاديمية سياحية لتأهيل أبناء المجتمع على الضيافة واللغات والإرشاد السياحي والإسعافات الأولية، ليكونوا سفراء حقيقيين لوادي رم، قادرين على نقل قصته وروحه لكل زائر كون هذه القصص تأسر السائح المثقف وتجعله يعود حاملا ذكريات لا تُنسى.
السياحة كنز لا ينضب
في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية والإقليمية، يبرز قطاع السياحة كطوق نجاة للاقتصاد الأردني، ووادي رم هو جوهرة هذا الطوق بحسب خبراء اقتصاد، مؤكدين أن العائد الاستثماري من وادي رم يمكن أن يتضاعف عدة مرات إذا تم تطبيق خطط فعالة.
ويشير الخبير في الاقتصاد وتنمية المجتمعات إبراهيم النعيمات إلى أن الوادي مؤهل ليكون استوديو عالميا دائما، مما يدر ملايين الدولارات ويخلق آلاف فرص العمل الفنية واللوجستية بالإضافة إلى سياحة الفلك بفضل سمائه الصافية وبعده عن التلوث الضوئي، موضحا أن وادي رم يعد من أفضل الأماكن في العالم لرصد النجوم، وتطوير هذا القطاع سيجذب نوعية راقية من السياح العلماء والهواة إلى جانب إقامة مهرجانات موسيقية عالمية (على غرار حفلات “العلا” في السعودية) أو مؤتمرات للشركات الكبرى في قلب الصحراء، وهي فكرة رائدة بدأت تلوح في الأفق. ويلفت إلى أن التكامل بين وادي رم والعقبة والبترا يعني إطالة مدة إقامة السائح في الأردن من يومين إلى 5 أو 7 أيام، مما يضاعف الإنفاق السياحي ويحرك عجلة النقل والمطاعم والفنادق والخدمات المساندة، مؤكدا أن مستقبل وادي رم يتطلب إدارة موحدة ومرجعية قوية تحت مظلة سلطة العقبة، مع صلاحيات واسعة لإنفاذ القانون، لضمان إزالة المخيمات المخالفة وضبط حركة السيارات دون تهاون، ما يفتح الباب أمام تجربة سياحية منظمة ومستدامة تحترم طبيعة المكان وتاريخه العميق.
ويشدد الخبراء على أن الاستثمار في البنية التحتية الخضراء ضرورة من خلال اعتماد المخيمات بالكامل على الطاقة الشمسية، وتطبيق حلول مبتكرة لإدارة المياه والنفايات واستخدام مواد صديقة للبيئة في تعبيد الطرق لتتناغم مع لون الرمال، بما يحافظ على أصالة وادي رم ويجعله نموذجا للبيئة المستدامة، مؤكدين أن التحول الرقمي الذكي يمثل خطوة نوعية تتيح للسائح حجز التذاكر والمخيمات والسيارات ومعرفة المسارات وتقييم الخدمات والإبلاغ عن الشكاوى، ليصبح كل زائر جزءا من تجربة شفافة وعالية الجودة.
وقد استقبل وادي رم أكثر من 200 ألف زائر، حسب أحدث الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة السياحة والآثار، مما يعكس تعافيا قويا للقطاع السياحي وتنامي الطلب العالمي على “المثلث الذهبي” الأردني. وكشفت إحصائيات وزارة السياحة أن المحرك الرئيس لهذا النمو هو العودة القوية للسياحة الأجنبية، إذ ارتفع عدد الزوار الأجانب في شهر تشرين الثاني وحده إلى 28,341 زائرا بنسبة 152.6 %، فيما بلغ المجموع الكلي للزوار الأجانب خلال العام 131,647 سائحا، بنسبة نمو سنوية بلغت 6.8 %.

