المسارات الدينية في جرش.. هل تكون طوق النجاة للقطاع السياحي؟

جرش – بينما تستعد مدينة جرش الأثرية لاستقبال شهر رمضان المبارك، تتجه الأنظار نحو المسارات الدينية كبديل استراتيجي لإنعاش القطاع السياحي المتعطش للزوار وطوق نجاة لإنقاذ الموسم من الركود المعتاد.
تحدي الركود
يعاني العاملون في القطاع السياحي من حالة من السبات تفرضها طبيعة الصيام، إذ يشهد شهر رمضان حالة من الركود السياحي في ظل قلة الفعاليات المخصصة للشهر الفضيل وعدم الربط بين السياحة والتراث الروحي، ما أدى إلى تراجع الإقبال على زيارة المواقع التاريخية خلال ساعات النهار، بينما ينحصر النشاط غالباً في الفعاليات الليلية غير المرتبطة بالجو الروحاني للمكان.
هذا الركود لا يؤثر فقط على المواقع الأثرية، بل يمتد إلى قطاعات اقتصادية واسعة، كالضيافة والمطاعم والفنادق والمحال التجارية، في المدينة التي تنتظر عادة موسم الصيف ومهرجان جرش للثقافة والفنون لتحريك عجلة الاقتصاد.
أوضح التاجر علي العفيف أن الحركة السياحية ضعيفة هذه الفترة بسبب قرب شهر رمضان وأجواء الشهر الفضيل، مما يؤثر على حركة البيع والشراء في السوق الحرفي والسوق التجاري بسبب الظروف الاقتصادية للمواطنين، مشيرا إلى أن السياحة الدينية والمسار فكرة ناجحة متطورة للاستفادة من أجواء الشهر الفضيل في رمضان والاستفادة منه في تعزيز قطاع السياحة.
كنوز مخفية
وتحتضن جرش العديد من المعالم الدينية والتاريخية التي ما تزال غير مستغلة ضمن المسارات السياحية، بعضها ظل مهمشا رغم أهميته، كالمساجد والكنائس الأثرية التي بالإمكان استغلالها كتجربة سياحية متكاملة تربط الماضي بالحاضر الروحي.
قال رئيس جمعية الأرض والبيئة أحمد العياصرة “تعد محافظة جرش من أبرز الكنوز الأثرية في الشرق الأوسط، لكنها تواجه كل عام تراجعا في الحركة السياحية خلال شهر رمضان المبارك، إذ تنخفض أعداد الزوار وتتراجع الأنشطة في المواقع الأثرية الرئيسية، مقارنة ببقية مواسم السنة وفق طبيعة أجواء الشهر الفضيل والصيام”، مضيفا “هذه الإمكانات التاريخية والأثرية يمكن استغلالها وتحويلها إلى وجهة سياحية روحية وثقافية لتعويض التراجع إذا ما تم استثمارها بشكل أمثل”.
وأضاف أن الحفريات الأثرية في مدينة جرش أظهرت وجود آثار مساجد تعود للفترتين الأموية والعباسية، وهي دليل على استمرار السكان ووجود الحياة الإسلامية بعد فتح مدينة جرش العام 636م، مبينا أن من بين هذه الاكتشافات مسجد أموي شمال بوابة معبد آرتميس، بني فوق أنقاض مبان رومانية، ويتضمن صحنا ومستويات لأعمدة ومحرابا يدل على الوظيفة الدينية للمكان، كما تم اكتشاف مسجد يعود لحكم الخليفة هشام بن عبدالملك (724–734م) وإعادة بنائه وتعديله لاحقا خلال العصر العباسي، إضافة إلى دير السيدة العذراء في دبين.
وأشار العياصرة إلى وجود العديد من المساجد التاريخية، وأبرزها المسجد الحميدي، وهو من أقدم المساجد في محافظة جرش، وقد بني في القرن التاسع عشر الميلادي على يد الشركس الذين استقروا في المدينة بعد حرب القرم، ويعد اليوم من المعالم الدينية المركزية في جرش ومقام النبي هود في بلدة النبي هود وعدد من المساجد القديمة في مختلف القرى والبلدات.
فرص الانتعاش
ورغم حالة الركود التي تعيشها المحافظة، إلا أن الخبراء يرون في المسارات الدينية فرصة لقلب الموازين من خلال تنظيم مسارات سياحية جديدة واستقطاب السياحة الدينية الأقل تعرضا للتغيرات السياسية كونها مدفوعة بالروحانية والشغف التاريخي.
وأكد أدلاء سياحيون وتجار في السوق الحرفي بجرش أن المسار الديني يحتاج إلى روح إدارية وتسويقية، قائلين “لا يكفي أن نفتح الأبواب، نحتاج إلى دمج المسار الديني بفعاليات رمضانية حية، وتوفير بنية تحتية تسمح للزائر بقضاء يومه كاملاً بين العبادة والاستكشاف”.
ويرى الدليل السياحي حسن عتمة أن أولويات الزوار تتغير في شهر رمضان، إذ يبحث الكثيرون عن الأنشطة التي تجمع بين العبادة والتأمل والتاريخ، موضحا أن هذا التوجه يمكن أن يتحول إلى فرصة ذهبية لجرش التي تمتلك إلى جانب أراضيها الأثرية قصصا حضارية تمتد عبر العصور المسيحية والإسلامية، كما تؤكد دراسات السياحة الدينية في المملكة.
ويبين المواطن مخلد المرازيق أن النشاط الرمضاني الحالي ينحصر غالبا في فعاليات ليلية محدودة لا ترتبط بالجو الروحاني العميق للمكان، مما يضيع فرصة استقطاب الزوار الباحثين عن تجارب تجمع بين العبادة والتأمل والتاريخ، لافتا إلى أن جميع أركان السياحة الدينية موجودة، لكنها تحتاج إلى تطوير وتعزيز وتأهيل ومتابعة وتحديث للمسارات السياحية في ظل وجود العديد من المساجد والمقامات والكنائس الأثرية والتاريخة.
وبين الناشط عمر بني أحمد أنه حان الوقت لجعل شهر رمضان فرصة لتنشيط السياحة الدينية والثقافية إذا ما تم استثمار الأجواء الروحانية التي تهيمن على المجتمع خلال الشهر الفضيل والهوية التاريخية للمدينة بشكل إبداعي وجاذب للزائرين، لافتا إلى أن من الأولى أن يتم الربط بين روحانية رمضان والتراث الثقافي في جرش، بما يسهم في خلق نوع جديد من السياحة الموسمية لتخطي واقع الركود من خلال تنظيم برامج زيارة تشمل المعالم الدينية الأثرية في المدينة مع شروح تاريخية تربط الزائر بروحانيات المكان.
وشدد بني أحمد على ضرورة استحداث مسار ديني خاص بشهر رمضان والمناسبات الدينية التي تشهد إقبالا من الزوار من مختلف المحافظات، مؤكدا أن جرش اليوم تحتاج إلى استثمار إبداعي لهويتها التاريخية لكسر حالة الركود، وليصبح رمضان موسما تتجلى فيه قصص الحضارات المسيحية والإسلامية التي تعاقبت على أرض الأردن.
من جهته، بين مدير أوقاف جرش الشيخ عادل الزعبي أن جرش تعد ثاني أكبر منطقة سياحية في المملكة، تضم إلى جانب المدينة الرومانية، مواقع دينية تاريخية بعضها يقارب عمر المدينة الرومانية، ما يصبغها بأهمية كبرى تتطلب تفعليها في نطاق السياحة الدينية، وشمولها ببرامج المسارات السياحية، لافتا إلى أنه جرى ترميم وصيانة مقام النبي هود في المدينة، عن طريق اللجنة الملكية لصيانة وترميم وتأهيل مقامات الصحابة.
وأكد أهمية المزايا المعمارية التاريخية الإسلامية والمتنوعة للمساجد ودور العبادة والمقامات التاريخية في جرش لاستقطاب السياح المهتمين بالتعرف على مواقع دينية قديمة، قائلا “نتطلع إلى أن يتم تنشيط هذه المواقع طوال العام واستثمار أهميتها التاريخية، لا سيما أن مقام النبي هود يشهد حركة سياحة دينية على مدار الساعة تنشط عادة خلال شهر رمضان المبارك”.
وشدد الزعبي على ضرورة تنفيذ مسار مستقل للسياحة الدينية، لافتا إلى أن مديرية أوقاف جرش طالبت أكثر من مرة بالتركيز على الجانب الأثري الديني فيها، والاستفادة من ميزاتها السياحية في وقت بدأت فيه وزارة السياحة بصياغة أفكار بهذا الخصوص لتطبيق بعضها على أرض الواقع.

