زيت الزيتون مرة اخرى وإخفاق الإدارة في استشراف الأمن الغذائي:

محامي محمد صدقي الغرايبة
مشهد الطوابير أمام أبواب المؤسسات الاستهلاكية بحثاً عن زيت الزيتون ليس مجرد حالة عرضية ترتبط بموسم أو ظرف طارئ، بل هو مؤشر عميق على خلل بنيوي في إدارة ملف الأمن الغذائي واستشراف الواقع الإنتاجي والاستهلاكي. فحين تتحول مادة أساسية تمثل جزءاً من الهوية الغذائية الوطنية إلى سلعة نادرة، تتكشف فجوة بين الإمكانات المتاحة وبين القدرة على التخطيط السليم.
زيت الزيتون في الأردن ليس منتجاً هامشياً؛ بل هو عنصر مركزي في السلة الغذائية، ومكوّن اقتصادي يرتبط بآلاف الأسر الزراعية. الأردن يُعد من الدول المنتجة للزيت، ويشهد موسماً سنوياً يمكن قياسه وتقدير إنتاجه بدقة نسبية عبر بيانات المعاصر والمساحات المزروعة وعدد الأشجار المثمرة. وبالتالي فإن الحديث عن نقص مفاجئ لا يمكن تبريره بغياب المعلومة، بل يُطرح السؤال حول آلية قراءة هذه المعلومة وتحويلها إلى سياسات استباقية.
الإشكالية لا تكمن فقط في محدودية الكميات المعروضة في المؤسسات الاستهلاكية، بل في غياب إدارة ذكية للتوازن بين العرض والطلب. فكل موسم إنتاج يخضع لمعادلة واضحة: حجم الإنتاج المحلي، حجم الاستهلاك الداخلي، الكميات المخصصة للتصدير، والمخزون الاستراتيجي. إن أي خلل في هذه المعادلة يعكس ضعفاً في أدوات التنبؤ الاقتصادي والغذائي، وغياباً لمنهجية السيناريوهات البديلة.
من زاوية التخطيط، فإن استشراف الواقع الغذائي لا يعني مجرد جمع البيانات، بل يعني تحليلها ضمن نماذج توقعية تأخذ بعين الاعتبار تغيرات المناخ، تذبذب الإنتاج، النمو السكاني، القدرة الشرائية، والسلوك الاستهلاكي في المواسم الحساسة. فإذا كانت المؤشرات تشير إلى انخفاض الإنتاج بسبب ظروف مناخية، كان يفترض تفعيل خطط مبكرة: ضبط التصدير مؤقتاً، تعزيز المخزون الاحتياطي، أو إطلاق منصة تنظيمية تضمن توزيعاً عادلاً وتمنع الاحتكار.
أما من زاوية الرقابة، فإن غياب منصة واضحة لإدارة توزيع مادة حساسة كزيت الزيتون يفتح المجال للمضاربات والتخزين بغرض رفع الأسعار. وعندما يشعر المواطن أن السوق غير منضبط، وأن الحصول على السلعة يتطلب الوقوف في طوابير، فإن الثقة بالمؤسسات تتراجع، ويتحول الملف من قضية إدارية إلى قضية رأي عام.
الأمن الغذائي لا يقاس فقط بوفرة السلع في المخازن، بل بقدرة الدولة على ضمان وصولها للمواطن دون إذلال أو اضطراب. فالطوابير ليست مجرد ازدحام؛ إنها رسالة اجتماعية تعكس اختلالاً في العلاقة بين التخطيط والواقع. وهي مؤشر على أن أدوات إدارة المخاطر لم تُفعّل بالقدر الكافي.
إن المطلوب اليوم ليس فقط توفير كميات إضافية، بل إعادة بناء منظومة استشراف غذائي متكاملة تقوم على:
1. إنشاء قاعدة بيانات لحظية للإنتاج والمخزون.
2. اعتماد سياسات تصدير مرنة مرتبطة بمؤشرات العرض الداخلي.
3. بناء مخزون استراتيجي يُدار وفق معايير واضحة.
4. إطلاق منصة إلكترونية شفافة لتنظيم التوزيع عند الحاجة.
5. تفعيل رقابة صارمة على حلقات الوساطة لمنع الاحتكار والمضاربة.
زيت الزيتون ليس مجرد سلعة، بل هو عنوان لمدى جاهزية الدولة لإدارة ملف غذائي موسمي يمكن التنبؤ به. وإذا كان من حق المواطن أن يسأل عن سبب الطوابير، فإن من واجب الجهات التخطيطية أن تجيب بمنهجية لا بردود فعل. فالإدارة التي تمتلك القدرة على استشراف الواقع الغذائي قبل وقوع الأزمة، هي الإدارة التي تحمي كرامة مواطنيها قبل أن تحمي مخزونها.

