ليس وحده تمامًا // سعيد ذياب سليم

قطع الشارع قاصدًا باب المشفى، كأنما يعبر حدًا لا شارعًا.
كانت غلالةٌ ضبابية تحجب الرؤية، حتى خُيِّل إليه أنه عبر البوابة، فإذا به يسير على الرصيف مبتعدًا عنها. توقف لحظةً، كمن يستعيد يقينه، ثم عاد أدراجه، ولج إلى الداخل، وأخذ يتتبع الإشارات التي اعتاد ملاحظتها في زياراته السابقة، والعلامات المعلّقة على الجدران؛ تلك الأسهم الصغيرة التي تقوده كل عام إلى القسم ذاته، حيث فحوصه الطبية المعتادة.
دخل، انتظر، ثم سمع اسمه يتردد بنبرة ودودة:
ــ اجلس يا حاج.
جلس أمام الطبيب الذي راجع ملفه على شاشة الحاسوب، قلّب النتائج قليلًا، ثم قال بلهجة حاسمة مطمئنة:
ــ فحوصك جيدة، لا مشكلة لديك… نراك بعد سنة، وإذا شعرت بأي شيء نحن هنا دائمًا.
جملة قصيرة، لكنها بدت باردة كجدار أبيض.
شكره وهمّ بالخروج، غير أن ذهنه عاد إلى غرفة التصوير. إلى الطبيبة التي دهنت عنقه بمادة لزجة قبل الفحص، وأخذت تمرر الجهاز ببطء، كأنها تبحث عن شيء خفي. طال صمتها قليلًا، ثم سألته فجأة:
ــ لماذا تجري هذا الفحص؟
أجابها محرجًا:
ــ للاطمئنان.
ناولته “رول” المحارم ليمسح أثر المادة عن رقبته، وعادت تكتب ملاحظاتها على الحاسوب. ألقى التحية وخرج، يعيد تتبع المسار نفسه، كأنه يعيد يومًا سبق أن عاشه مرارًا.
يسير في الشارع كورقة تدفعها الريح في صمت، لا يلتفت إليه أحد. تتجمع في صدره صرخة؛ يود لو يطلقها علّها تنبه أحدهم لوجوده.
في سيارة الأجرة، كان ريقه جافًا، وسعالٌ مكتوم يتربص بحلقه. رائحة دخان السجائر العالقة بالمقاعد أثارت صدره، فمال نحو النافذة يبحث عن خيط هواء يطفئ ذلك الاشتعال الصغير في داخله.
كان اليوم أول أيام رمضان. المذياع يردد أناشيد قديمة عن الرحمة والمغفرة، بصوت دافئ يناقض جفاف حلقه. كل من في السيارة يرعى أفكاره صامتًا، كأن الصيام بدأ بالصمت قبل الامتناع عن الطعام.
نزل في الموقف الأخير، ثم سار إلى موقف آخر ليستقل سيارة توصله إلى بيته. كانت المدينة تستقبل يومًا رمضانيًا هادئًا. رغم انتصاف النهار، ما زالت محال كثيرة مغلقة، والإفطار بعيد. بعض الواجهات ازدانت بحبال الزينة، وفوانيس تدلت في واجهات الدكاكين، كأنها تستعجل المساء.
مرّ أمام بائع الخضار، وصوت تلاوة مشرعة على الشارع يتهادى من مذياع قديم. تساءل في نفسه:
هل رفع أسعار بضاعته؟
فالموسم ليس موسم عبادة فحسب، بل موسم تجارة، وموسم فني تُعرض فيه أحدث المسلسلات ـ يا للطرافة ـ الرمضانية!
ابتسم ابتسامة عابرة، ثم واصل سيره.
دخل المسجد لصلاة الظهر. الصفوف متراصة، والقلوب ـ كما يُفترض ـ متجهة. حاول أن يثبت في ركوعه، أن يستحضر روح الشهر، أن يجد لنفسه مكانًا بين هذه الجموع.
لكن في الركعة الأخيرة انفلت السعال من صدره، قاطعًا خشوعه، متغلبًا على محاولاته. أحسّ بنظرات عابرة، أو لعلها كانت أوهامًا. انتهت الصلاة، فأنقذه الإمام بالتسليم.
خرج مسرعًا يبحث عن هواء أرحب. بلّل حلقه بريق شحيح، ثم مضى إلى بيته.
فتح الباب، فاستقبله ضجيج المكنسة الكهربائية. لم يكن في البيت صمت، لكنه لم يكن صوتًا يُؤنس.
ألقى بنفسه على فراشه، يتأمل سقف الغرفة.
قال له الطبيب إن كل شيء بخير.
لكن شيئًا ما، في هذا اليوم الأول من رمضان، لم يكن بخير.
كان الجسد سليمًا…
والروح متعبة يحيط بها ضباب.
قبيل أذان المغرب، جلس أمام التلفاز. كان أحد الفقهاء يتحدث عن فضل رمضان وأجره. غير أن الكاميرا كانت مسلطة على فمه أكثر مما ينبغي؛ يرى المشاهد أسنانه، أو ما تبقى منها، ويلحظ الفراغ بينها. ابتسم وهو يتذكر قولًا شعبيًا يربط بين فراغ الأسنان والحسد. حتى الوعظ، فكّر، صار لقطة مقرّبة تكشف تفاصيل دقيقة.
مرّ طقس الإفطار تقليديًا: التمر، العصائر، الشوربة، الأطباق الرئيسية، وبعض الذكر الخافت. أكل في صمت، حمد الله وشكره، ثم استراح قليلًا وقد امتلأت معدته، لا روحه.
مع أذان العشاء، اتجه إلى المسجد لصلاة التراويح. كان يسير والرصيف يتمايل تحت قدميه… أم أنه هو الذي يمشي بخطوات غير ثابتة، كمن يترنح بين تعب الجسد ووهن النفس؟
دخل المسجد، فاستقبله جو احتفالي؛ ضحكات أطفال، وشيوخ ينهون ويوجهون في انتظار الإقامة. بدا المكان أكثر حياة مما يشعر به.
فجأة سمع خلفه من ينادي باسمه. التفت باستغراب.
تقدم نحوه شابان في مقتبل العمر، متوسطي الطول، يفيض وجهاهما بهجة. قدّم كل منهما نفسه واسم عائلته:
ــ نحن من طلابك.
تأمل ملامحهما لحظة، ثم انفرجت أساريره:
ــ تذكرتكما! لقد مضت ثمان سنين… كنتما في السنة النهائية من الثانوية.
تدفق الذكريات كالشلال: غرفة الصف، الواجبات، ساحة المدرسة، المقصف، المناوبة الصباحية. تذكر أنه كان له زمن آخر، حياة أخرى مليئة بالأصوات والمعاني. كأن روح رمضان أعادته إليها فجأة.
سأل عن أحوالهما، عن دراستهما وأعمالهما، ثم ودعهما قائلًا:
ــ فرصة سعيدة… ورمضان كريم.
وقبل أن يطيل الوقوف، أقام الإمام الصلاة.
وقف في الصف من جديد، بين وجوه لم تعد غريبة تمامًا.
هذه المرة، لم يكن وحده تمامًا.

