المريغات.. كنز أثري يواجه خطر الاندثار بين صخور الكسارات

مادبا – إلى الجنوب من مدينة مادبا، وفي منطقة ماعين المطلة مباشرة على سد زرقاء ماعين، يبرز موقع المريغات الأثري بوصفه واحدا من أكثر مواقع العصر البرونزي المبكر تكاملا في الأردن، إذ يقدم مشهدا حضاريا نادرا يجمع بين الأنصاب الحجرية الضخمة المعروفة بالدولمنز، وبقايا تجمع سكني منظم، ومعالم دينية يُعتقد أنها كانت معبدا، في صورة متكاملة تعكس طبيعة الاستيطان البشري والتنظيم الاجتماعي والطقسي للمجتمعات القديمة قبل آلاف السنين.
منظومة حضارية متكاملة
الموقع يبقى شاهدا على الأهمية التاريخية التي تحظى بها مادبا، إذ أول موقع تُقام فيه طقوس دينية احتفالية موسمية مؤرخة حتى الآن، وبما يحتويه من أقدم هندسة معمارية وُجدت في الأردن.
يؤكد خبراء الآثار أن ما يميز “المريغات” عن غيره من المواقع الأثرية هو الشمولية؛ فهو لا يقدم قطعا أثرية منفصلة، بل منظومة استيطانية متكاملة تعود لآلاف السنين.
يبيّن رئيس مبادرة حماية آثار الدولمنز عبدالرحيم العرجان أن اجتماع العناصر الجنائزية والسكنية والدينية في موقع واحد يمثل حالة استثنائية قليلة التكرار داخل المملكة، ويمنح المريغات قيمة علمية تتجاوز البعد المحلي، ليكون جزءا من النقاش العلمي العالمي حول نشوء المجتمعات المستقرة في المشرق خلال العصر البرونزي المبكر، موضحا أن الموقع لا يقدم شواهد منفصلة، بل منظومة متكاملة تسمح بقراءة الحياة والموت والعبادة ضمن فضاء مكاني واحد.
ويضيف قائلا: “يضم الموقع عشرات أنصب الدولمن، وهي مُنشآت حجرية ضخمة تتكون في الغالب من أربعة أحجار قائمة تعلوها صخرة أفقية كبيرة، استُخدمت لأغراض جنائزية وطقسية،” منوّها إلى أن الدراسات الأثرية تشير إلى أن توزيع هذه الأُنصُب واتجاهاتها لم يكن عشوائيا، بل ارتبط بعناصر طبيعية وفلكية، ما يعكس مستوى متقدما من المعرفة لدى المجتمعات التي شيدتها، وقدرتها على تنظيم الفضاء وربطه بالمعتقد والطقس.
ويؤكد خبراء الآثار أن الموقع يجمع بين ثلاثة عناصر أساسية: العنصر الجنائزي (عشرات أُنصُب “الدولمنز” الضخمة، وهي طاولات حجرية جنائزية صُممت بتوجيهات فلكية دقيقة)، والعنصر السكني (كَبقايا وحدات سكنية منظمة تكشف عن نمط الحياة اليومية للمجتمعات الأولى)، والعنصر الديني (إذ يوجد معالم معمارية يُعتقد أنها كانت معبدا قديما)، مما يشير إلى وجود فكر عقائدي متطور.
هذا التمازج جعل من المريغات مادة دسمة للنقاش العلمي العالمي حول نشوء المجتمعات المستقرة في المشرق العربي، ونقل الموقع من الصعيد المحلي إلى خريطة البحث الدولي.
بين البحث العلمي والجهد الحكومي على مدار مواسم عدة، تحول الموقع إلى مختبر مفتوح لبعثات التنقيب، أبرزها التعاون بين دائرة الآثار العامة وجامعة كوبنهاغن بإشراف الباحثة “سوزانا كيرنر”. فأسفرت هذه الجهود عن إعادة رسم خريطة الموقع وفهم تسلسل الاستيطان فيه، مما عزز قيمته العلمية.
الكسارات تهدد “الدولمنز”
رغم الإجراءات الرسمية، يحذر عدد من أبناء المجتمع المحلي في مناطق المريغات وزرقاء ماعين من واقع مرير، مؤكدين أن التهديد هنا لا يأتي من عوادي الزمن بل من أعمال التفجير والكسارات القريبة.
ويقول المواطن أحمد الموازرة، أحد أبناء زرقاء ماعين، إن المنطقة كانت في السابق مقصدا للباحثين والزوار، وإن المشهد الطبيعي كان جزءا من هوية المكان، قبل أن يتغير بفعل الغبار والشاحنات الثقيلة، مضيفا أن الأهالي لا يعارضون التنمية، لكنهم يطالبون بتنمية تحترم التاريخ وتحميه.
من جهته، يشير المواطن خالد الجفيرات إلى أن التفجير المتكرر يترك آثارا مباشرة على النُصُب، موضحا أن بعض الحجارة بدأت تظهر عليها تصدعات واضحة، ما يشكل خطرا حقيقيا على الموقع وعلى سلامة الزوار.
ويؤكد أن الموقع يمكن أن يكون فرصة اقتصادية وسياحية للمنطقة، لكن استمرار الضغوط الحالية قد يؤدي إلى فقدانه بشكل نهائي. الرؤية
من جهتها تؤكد دائرة الآثار العامة أنها وضعت “المريغات” تحت المراقبة الدورية، واتخذت إجراءات قانونية صارمة شملت استملاك الأراضي التي تضم القطع الأثرية وتطبيق قانون الآثار الذي يمنع النشاطات الصناعية (كالكسارات) ضمن حرم يتجاوز كيلومترا هوائيا وتسييج الموقع لحمايته من العبث والحفر العشوائي.
وتشير إلى أن المادة 9 من قانون الآثار رقم (21) لسنة 1988 وتعديلاته تحظر إتلاف الآثار أو تخريبها أو تشويهها أو إلحاق أي ضرر بها، بما في ذلك تغيير معالمها أو فصل أي جزء منها أو تحويلها أو إلصاق الإعلانات عليها أو وضع اللافتات فوقها.
أما المادة 13 فتنظم الترخيص بإقامة أي إنشاءات بما في ذلك الأبنية والأسوار بالقرب من المواقع الأثرية، إذ لا يجوز الترخيص لأي إنشاء إذا كانت المسافة بينه وبين الأثر تتراوح بين 5-25 مترا، كما تمنح المادة الوزير صلاحية زيادة هذه المسافة إذا اقتضت الضرورة لحماية الموقع الأثري أو صيانته، أو توسعة حرم الموقع الأثري، أو ضمان عدم حجب الموقع الأثري بأي إنشاءات.
وتحظر المادة 14 على أي شخص طبيعي أو معنوي القيام بأي حفريات في المواقع الأثرية بحثا عن الدفائن الذهبية أو أي دفائن أخرى، وحصرها بالجهات المختصة.
مطالبات بالتطوير
ويقول رئيس جمعية تطوير السياحة والحفاظ على التراث بسام الطوال: “إن القيمة التاريخية الاستثنائية لموقع “المريغات” الأثري في محافظة مادبا، وبوصفه مشهدا متكاملا للعصر البرونزي المبكر الذي يندر تكراره، تستدعي العمل على حمايته”، مشددا على ضرورة توسيع نطاق الرقابة البيئية حول الموقع لضمان عدم تأثره بالغبار والاهتزازات الناتجة عن الأنشطة الصناعية المحيطة، وضرورة الحفاظ على سلامة “الدولمنز” من التصدع.
ويؤكد على أهمية تركيب كاميرات مراقبة مرتبطة بغرفة عمليات دائرة الآثار لضمان الحماية على مدار الساعة ومنع أي محاولات نبش أو حفر غير مشروع، منوها إلى ضرورة تفعيل الموقع سياحيا من خلال إنشاء مركز زوار مصغر يوفر معلومات تاريخية عن الموقع، ويشرح أهمية الأنصاب الحجرية (الدولمنز) وتحديد مسارات آمنة كممرات خشبية أو حجرية للزوار داخل الموقع لمنع الدوس العشوائي على البقايا الأثرية، وإدراجه رسميا ضمن مسارات السياحة الثقافية والبيئية في مادبا.
ويؤكد الناشط عاطف معايعة على أن حماية الموقع تتطلب إستراتيجية تتجاوز الحراسة القانونية إلى الاستثمار الثقافي عبر تطوير البنية التحتية ووضع لوحات تعريفية وتصميم مسارات سياحية تربط الموقع بمسارات مادبا الثقافية، موضحا أن إشراك السكان المحليين في الإدارة والحماية، وتوفير فرص عمل لهم في الإرشاد السياحي يعزز شعور الملكية تجاه الموقع، ما ينعكس إيجابا على استدامته والحفاظ عليه.
ويطالب معايعة بتحويل الموقع إلى “متحف مفتوح في الهواء الطلق” يروي قصة الإنسان الذي عاش ونظم حياته هنا قبل آلاف السنين، ونشر نتائج التنقيبات في كتيبات سياحية مبسطة، وتنظيم فعاليات ثقافية سنوية تسلط الضوء على “المشهد البرونزي المتكامل”، مشددا على أهمية مواصلة أعمال التنقيب والدراسة.
جهود رسمية للحفاظ على الموقع
من جانبها أكدت دائرة الآثار العامة أن موقع المريغات الأثري الواقع في محافظة مادبا يعد من المواقع الأثرية ذات الأهمية التاريخية الكبيرة، إذ يضم مجموعة من أنصاب الدولمن التي تعود إلى العصر البرونزي المبكر، مشيرة إلى أن هذه الدولمنات تعتبر شواهد على ممارسات طقسية واحتفالية كانت سائدة في تلك الفترة، مما يمنح الموقع أهمية بالغة في فهم التطورات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات القديمة في المنطقة.
وتوضح أن المتابعة الدورية تؤكد على أن موقع المريغات الأثري خالٍ من أي اعتداءات أو تجاوزات، ويتم الحفاظ على الموقع وفقا لأحكام قانون الآثار الأردني، وتتم مراقبة أي أنشطة محيطة به لضمان عدم المساس بسلامته أو قيمته الأثرية، موضحة أنه ووفقا لقانون الآثار الأردني، لا يمكن منح أي تصريح لإنشاء كسارات أو مقالع حجارة إلا بعد إجراء كشف حسي من قبل دائرة الآثار العامة لتقييم الأثر المحتمل للمشروع المقترح على الموقع الأثري والتأكد من عدم وجود أي تأثير سلبي عليه.
وتؤكد دائرة الآثار أنه وبشكل خاص يُحظر إقامة صناعات ثقيلة أو خطرة أو محاجر على مسافة تقل عن كيلومتر واحد من حرم المواقع الأثرية، ويُشترط الحصول على موافقة دائرة الآثار العامة المسبقة قبل استدراج أو تلزيم أو طرح عطاءات الخدمات الهندسية والتصاميم والمخططات وإعداد وثائق عطاءات المشاريع العامة والخاصة، فأي طلب لإنشاء كسارة أو مقلع حجارة يتطلب كشفا ودراسة معمقة من قبل دائرة الآثار العامة لتقييم الأثر المحتمل على الموقع الأثري.

