الزحف العمراني يهدد كروم الزيتون المعمر في عجلون

عجلون- ما تزال آلاف أشجار الزيتون المعمر تتشبث جذورها بأكتاف جبال عجلون منذ مئات وآلاف السنين، وصامدة أمام كل عوامل الطبيعة، إلا من سطوة بشر بآلات لا ترحمها من قطع أو قلع، حتى باتت مهددة بتراجع أعدادها بشكل لافت، أو بالزوال تماما، إذا ما استمر الحال، ولم تنجدها التشريعات والرقابة من زحف عمراني، أو الاتجار بها، وحمايتها من الأمراض والتغيرات البيئية.

 

وتتفاقم المشكلة في ظل محدودية المساحات المنظمة والخالية من أشجار الزيتون “الرومي” في مناطق المحافظة، وتوجه الكثير من المواطنين إلى التوسع العمراني الأفقي، حتى باتت أمهات الزيتون تلك مهددة بتراجع أعدادها، بل وزوالها تماما من بعض المناطق، في حال استمر الحال كما هو عليه الآن.
ويقول ناشطون ومواطنون، إن تلك الأشجار الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، وبأحجام قياسية، بحيث يتراوح قطرها بين مترين وخمسة أمتار، يستوجب أن تتلقى كل الحماية والرعاية، وذلك بتوفير العلاجات لها من الأمراض، ومنع اقتلاعها لغايات إنشاء الأبنية، والمتاجرة بها أو نقلها إلى مناطق وبيئات أخرى لا تلائمها، لافتين إلى ضرورتها التنموية ووفرة إنتاجها، وأهميتها السياحية العائدة إلى عراقتها.
وبحسب المواطن علي محمد، فإن آلاف أشجار “الزيتون الرومي” المعمر، أو ما تسمى بأمهات الزيتون، تبقى شاهدا على اغتنام من سكنوا المنطقة قبل مئات السنين لخصوصية المحافظة الزراعية، ما يستدعي مزيدا من الرعاية لتلك الأشجار، والدعم الحكومي لاستثمار هذه الخصوصية، مؤكدا أنه لا يخفى على سكان المحافظة، بل وحتى المواطنين في مناطق أخرى، قيمة تلك الأشجار المعمرة، وأهمية إنتاجها من ثمار الزيتون والزيت المميزين.
وطالب الجهات الرسمية والتطوعية باتخاذ تدابير كفيلة بحمايتها، وإبرازها واستثمارها لأغراض السياحة، مؤكدا أنه رغم أن أنظمة وتعليمات وزارة الزراعة تمنع اقتلاع تلك الأشجار الأمهات أو نقلها إلى مواقع أخرى، إلا أن تلك الأفعال ما تزال مستمرة بالخفية، ويتم ضبط حالات بين الحين والآخر، إما نتيجة التوسع العمراني، أو لبيعها لأثرياء لزراعتها في حدائق منازلهم خارج المحافظة.
وبهذا الخصوص، يقول الباحث محمود الشريدة، إن مبادرات وجهودا تطوعية بذلت في المحافظة بأوقات سابقة، سلطت الضوء على تلك الأشجار في أشهر مناطق المحافظة التي تحتضنها، داعيا إلى مزيد من الدعم لها للحفاظ عليها، واستثمارها سياحيا عبر عمل “مسار الزيتون الرومي”.
وبين أن عمر أعداد كبيرة من أشجار الزيتون الرومي يمتد لأكثر من 1600 عام، وقد يصل إلى 2000 عام، لكن رغم هذه العراقة يتعرض معظمها لاعتداءات بين الفينة والأخرى، مشيرا إلى أن زيتون الوهادنة يشبه كثيرا زيتون منطقة الميسر في الهاشمية وزيتون كفرنجة وعنجرة، وقد يكون زرع في الفترة التاريخية نفسها، في حين أشار إلى أن الآباء والأجداد كانوا يملأون سيقانها بالتراب والحجارة للحفاظ عليها من أشعة الشمس ومن التلف، ما أسهم بالحفاظ على هذه الأشجار التاريخية من التلف لفترات طويلة.
حملة للحفاظ على الأشجار
من جهته، يؤكد المهندس الزراعي يزيد القضاة، أن أشجار الزيتون الرومي وعموم أشجار الزيتون تعد من أهم الأشجار الاقتصادية المزروعة في المحافظة، إذ تشكل أكثر من 75 % من مجموع مساحات الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة في عموم المحافظة، بحيث تقدر مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في المحافظة بـ86 ألف دونم، مبينا أن الدخل الناتج من أشجار الزيتون يشكل دخلا رئيسا للكثير من العائلات الأردنية، ودخلا إضافيا وتكميليا لعائلات أخرى.
أما مدير ثقافة المحافظة سامر فريحات، فيقول إن تلك الأشجار المعمرة التي نقش حفرياتها الأجداد بأهداب عيونهم، ورووها بعرقهم، ما تزال تقف تيجانا وأكاليل على أكتاف عجلون وربواتها، متحدية كل العواتي، لتحكي للأحفاد قصصهم في الكفاح من أجل لقمة العيش، وتبث في أرجائها رائحتهم الزكية وعبق التاريخ الموغل في القدم، ولتبقى تمنحهم كل عام حبات الخير والبركة، وكأن لسان حالها يقول: هي الدنيا “زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون”.
وأضاف، أن تلك الأشجار المرابطة أصبحت تئن وتستغيث من وطأة زحف عمراني وجور أحفاد من غرسوها فسيلة، فغدت الصامدات الباقيات منها تذرف دموعا وهي ترى شقيقاتها تتهاوى بآلات لا ترحم، لتغرس مكانها قصورا وبيوتا من الصخور الصماء، ما يستدعي إجراءات حازمة لحمايتها ودعما كافيا لرعايتها، وإدراجها على الخريطة السياحية للمحافظة باعتبار أعمارها تماثل تاريخ كثير من المواقع الأثرية والتاريخية.
ويقول المواطن الدكتور شهاب الغرايبة، إن أشجار الزيتون الرومي في عدد من مناطق محافظة عجلون تشكل ظاهرة تستدعي توثيق هذه الأشجار وإطلاق حملة للحفاظ عليها من التقطيع والاقتلاع لغايات الإنشاءات، مشيرا إلى أن أشجار الزيتون المعمرة في منطقة ميسر الهاشمية بعجلون، والتي تعود للعصر الروماني، تعد من المناطق التي تستحوذ على اهتمام زوار البلدة نظرا لقدم هذه الأشجار، التي أصبحت محاطة بالأبنية التي قد تهدد بقاءها مع التوسع العمراني وتزايد السكان، حيث تعد من أكثر مناطق الأردن ازدحاما بهذه الشجرة، في حين بين أن منطقة الميسر ذات المساحات الواسعة تصل لمئات الدونمات، وتمت زراعتها بشجرة الزيتون المباركة منذ العصور الرومانية، وتوارثتها الأجيال عبر مئات السنين.
ويقول المواطن أحمد سليم، إن أمهات أشجار الزيتون والمعروفة بـ”الرومية” تستحق منا جميعا، أفرادا ومؤسسات، وقفة صادقة وحقيقية لحمايتها ورعايتها من الزحف العمراني وكل الأخطار التي تهددها، إذ إن أول خطوة يجب أن تتبناها جمعيات معنية وبيئيون ووزارة الزراعة هي إحصاؤها وتوثيقها في سجلات ومتابعتها بشكل دوري، إضافة إلى إيجاد تشريع يمنع التعدي عليها من أصحابها لأي سبب كان، باعتبارها ثروة وطنية وقيمة تاريخية وإنسانية لا تقدر بثمن ولا يمكن تعويضها.
وأضاف أن ثمار أشجار الزيتون المعمر تعد عالية الجودة ولذيذة المذاق، سواء في حال تحويلها إلى كبيس أو عصرها لتتحول إلى زيت رائع الطعم إلى جانب مزاياه الغذائية، مؤكدا أن تلك الأشجار القديمة أفضل من الأنواع الأخرى لملاءمة المناخ لها من جهة، ونوعيتها وميزاتها من جهة أخرى، ولما تتصف به من صفات تمكنها من الاستمرار في البقاء في ظل التغيرات المناخية، وتراجع معدلات الأمطار، فيما أوضح أن شجرة الزيتون المعمر تتميز بقدرتها على تحمل مختلف الظروف القاسية وعدم حاجتها إلى رعاية خاصة وعناية كبيرة، وهو ما يفسر صمودها وبقاءها كل هذه القرون.
قيمة وطنية وتراث حضاري
إلى ذلك، يؤكد رئيس قسم الحراج الأسبق في مديرية زراعة المحافظة المهندس سامي فريحات، أن أشجار الزيتون التاريخية تمثل قيمة وطنية وتراثا حضاريا يجب المحافظة عليه، لافتا إلى اهتمام وزارة الزراعة وتعاونها مع المزارعين للحفاظ على هذا النوع من الأشجار ذي القيمة العالية.
كما لفت إلى أن قوانين وتعليمات الوزارة تمنع إزالة مثل هذه الأشجار لأهميتها إلا ضمن ظروف خاصة، كوقوعها وسط شارع عام يراد فتحه، وبترخيص وإشراف من مديرية الزراعة للحفاظ عليها من العبث أو الاعتداء غير المبرر.
وقال مدير سياحة المحافظة فراس الخطاطبة، إن المديرية ترحب بأي أفكار ومبادرات تدعم القطاع السياحي في المحافظة، خصوصا استثمار الزيتون الرومي في الترويج السياحي، مؤكدا ضرورة توفير أفضل وأنجع السبل للحفاظ على هذه الثروة الوطنية الكبيرة، لا سيما في مجال وضعها على الخريطة السياحية للمحافظة وتقديم أشكال الدعم والمساندة كافة لأصحاب مزارع هذه الأشجار للحفاظ عليها.
بدورها، تؤكد مصادر في مديرية زراعة المحافظة، أن المديرية تتعاون مع المزارعين والجمعيات التي تعنى بالحفاظ على مثل هذه الأشجار، عبر عقد الندوات والمحاضرات والتدريب لمكافحة الآفات التي تصيب هذه الأشجار، للمحافظة عليها وإدامتها، كونها إرثا تاريخيا عظيما يجب الالتفات إليه والاهتمام به.
وبينت أن هناك حالات استثنائية يُسمح فيها بتصاريح من الوزارة بقطع الأشجار لغايات النفع العام، مثل فتح شارع أو تداخل وخطورة مع أسلاك كهرباء أو ميل الشجرة على أحد البيوت، مؤكدة أنه إذا كان اقتلاع الشجر لغير هذه الغايات ومن دون تبرير واضح أو ضرورة ملحة، فإن وزارة الزراعة تتخذ إجراءات الضبط والغرامة بحق الفاعل، وتعمل على تحويله إلى الحاكم الإداري، وفي بعض الحالات يتم تحويل الفاعل للقضاء.

 عامر خطاطبة/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة