السردية الأردنية بين الوعي الجمعي والسرديات الفرعي

محامي محمد صدقي الغرايبة
شهد الفضاء العام الأردني في الآونة الأخيرة تداولاً متزايداً لمفهوم السردية الأردنية لا سيما الطروحات التي قدّمها اللواء المتقاعد الدكتور تامر المعايطة من خلال منشوراته ومقاطع الفيديو التي بثّها على منصات التواصل الاجتماعي حيث تناول المفهوم بلغة واضحة وأسلوب منهجي مكّنه من الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع بعد أن ظل هذا المصطلح لسنوات حبيس الدوائر الأكاديمية والثقافية الضيقة وقد أسهم هذا الجهد في إثارة نقاش عام حول معنى السردية ودورها في تشكيل الوعي الوطني وإعادة قراءة التاريخ ضمن إطار جامع ومتوازن
السردية في معناها الفكري ليست مجرد رواية للأحداث ولا إعادة سرد للوقائع التاريخية بترتيب زمني بل هي الإطار التفسيري الذي يمنح تلك الوقائع معناها ويحدد زاوية النظر إليها فهي عملية اختيار وانتقاء وترتيب وربط بين الأحداث ضمن منظومة قيمية وفكرية تعكس رؤية المجتمع لنفسه ولماضيه ولموقعه في الحاضر ولمساره في المستقبل ومن هنا فإن كل دولة تمتلك سرديتها التي تفسر نشأتها وتطورها وتحدياتها وتقدمها باعتبارها قصة جامعة تشكل الوعي الجمعي وتمنح الأفراد إحساساً بالانتماء والاتصال بالمصير المشترك
وفي السياق الأردني تتجاور سرديات متعددة ذات طابع عشائري أو مناطقي تعبر عن تاريخ محلي وذاكرة خاصة وتوثق أدواراً مهمة قامت بها العشائر والمناطق في مراحل التأسيس والبناء وهذه السرديات بطبيعتها تمثل ثراءً اجتماعياً وثقافياً يعكس تنوع المجتمع الأردني
ومما يجدر ذكره ان السرديات الفرعية ليست روايات مغلقة تقدم نفسها بديلاً عن السردية الوطنية الجامعة ولا تفسير التاريخ من منظور جزئي يختزل التجربة الوطنية في إطار ضيق بل هي سرديات تندمج اساساً في السردية لأردنية الشاملة التي استوعبت هذه التعددية و دمجتها في إطار الدولة الحديثة بحيث كان وما زال الانتماء العشائري أو المناطقي رافداً للهوية الوطنية لا نقيضاً لها.
لقد تميز الطرح الذي قدّمه الدكتور تامر المعايطة بقدرته على تبسيط المفهوم دون تسطيحه فقدم السردية باعتبارها مسألة تتصل بالحياة اليومية للمواطن وبطريقة فهمه للأحداث الجارية ولموقع الأردن في محيطه الإقليمي والدولي وربط بين قراءة التاريخ وبين ضرورات الحاضر مؤكداً أن السردية ليست خطاباً احتفالياً ولا أداة دعائية بل إطاراً معرفياً يساعد المجتمع على إدراك ذاته بوعي وثقة كما أن اعتماده على وسائل التواصل الاجتماعي أتاح تفاعلاً مباشراً مع الجمهور وأسهم في تحويل المفهوم إلى موضوع نقاش حي تتداوله فئات مختلفة من المجتمع
إن أهمية السردية الأردنية في المرحلة الراهنة تنبع من التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة ومن تصاعد صراعات الروايات حول الهوية والدور والمكانة فالدول لم تعد تواجه التحديات بالسلاح والاقتصاد فحسب بل تواجهها أيضاً بالرواية التي تقدمها عن نفسها والتي يتبناها أبناؤها فالسردية المتماسكة تعزز الثقة بالدولة وتدعم الاستقرار وترسخ فكرة المصير المشترك وتوفر إطاراً نقدياً متوازناً يعترف بالإنجازات كما يعترف بالتحديات دون إفراط أو تفريط
وعليه فإن النقاش حول السردية الأردنية ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة وطنية تتصل بتشكيل وعي الإنسان الأردني بذاته وتاريخه وحاضره ومستقبله وهو نقاش ينبغي أن يستمر في فضاء عام مسؤول يتكامل فيه الجهد الأكاديمي مع الخطاب الإعلامي والثقافي حتى تتبلور سردية وطنية جامعة قادرة على استيعاب التنوع الاجتماعي وصونه ضمن إطار الدولة ومؤسساتها وبما يرسخ هوية أردنية واثقة ومتوازنة وقادرة على مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل
نكرر شكرنا للدكتور الباشا تامر المعايطه على تلك الجهود التي بذلها في إبراز الهوية الأردني الجامعة وعلى دوره في خلق بيئة ثقافية من نوع خاص في مرحلة كان الوطن فيها بأمس الحاجة إلى توعية أبناءه بتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم وهويتهم التي تمثل رأس مال المواطن رأس مال المواطن الأردني.
المحامي محمد صدقي غرايبه

