العصفور والقرد والصخرة // سعيد ذياب سليم

عريشٌ بالٍ يختبئ من الريح والمطر تحت صخرةٍ ـ تميل ميلًا خفيفا لا يلاحظه أحد ـ على سفح جبل، يتشبث بالأرض كأنه يخشى أن تقتلعَه الرياح، ويطلّ من علٍ على صحارى الهلاك، بعيدًا عن شاطئ السلام.
في هذا العريش تعيش إحدى الأسر المهاجرة، في مخيمٍ نشأ بعد حرب ــ وما أكثر الحروب في بلاد الفقراء ــ على كوكب الأرض، كوكب المهجَّرين.
يستند إلى ظهر الجبل، في ظلّ الصخرة، صبيٌّ بجسمه الصغير. أغمض عينيه وقد أخذته غيبوبة الجوع، فطار به الحلم بعيدًا. رأى نفسه وقد تحوّل إلى عصفور دوريٍّ داكن اللون، رفرف بجناحيه بخفةٍ وهو خائف، كأنه يخشى أن يسمعه شيءٌ في السماء؛ فمن السماء تأتي القذائف.
راح يحلّق في الطريق التي سارت فيها أسرته يوم قطعوا النهر وهربوا من قريتهم المسالمة.
حطّ العصفور على سور بيتهم الذي احتضن حياتهم الوادعة. كان باب البيت ملقى على الأرض، وكتابٌ من كتبه تتلاعب الريح بأوراقه تحت شجرة اللوز. دفاتره مبعثرة، وأقلامه معفَّرة بالتراب، والدولاب الذي كان يدحرجه أمام بيت الجيران ملقى جانبًا، كأنه نسي اللعب.
تنهد العصفور، نظر من نافذة البيت، طار حول البيت دورتين، ونقر نقرةً خفيفة من تراب الفناء، ثم عاد طائرًا. كان قلبه يدقّ بجنون، كأنه طائرةٌ صغيرةٌ مسيّرة تطنّ في السماء قبل أن تطلق الرصاص.
استيقظ الصبي، فتح عينيه، وترقرقت من تحت أهدابه دمعة. رفع رأسه إلى السماء لحظةً، كأنه يتحقق أن الطنين الذي سمعه في الحلم لم يتبعه إلى اليقظة.
كانت أمّه تسلق في وعاءٍ درناتِ نبتةٍ برية على نارٍ أوقدتها في جذعٍ جاف، علّهما ينسَيان الجوع ويقلّبان صفحةً أخرى من دفتر الأيام؛ لعلّ الوحش يخرج من قريتهم يومًا، ويعود الرجال الذين خرجوا يطاردونه سالمين.
حين هبط الليل الكئيب وألقى بثقله على العريش، سأل الصبي أمَّه بصوتٍ خافت:
ــ لماذا طُردنا من بيتنا يا أمي؟
تنهدت الأم، وارتجفت في صدرها صرخةٌ صامتة، ثم قالت:
ــ يا بني، لعلّ البشر جميعًا مهاجرون مثلنا. بدأ الأمر منذ آدم وحواء، ألم يهبطا من الجنة إلى الأرض؟
سكتت لحظة وهي تلمس وجه طفلها وتحنو عليه، ثم تابعت بصوتٍ أهدأ:
ــ ومنذ ذلك الحين والناس يمشون في الأرض… يخرجون من مكانٍ إلى آخر. يقولون إن البشر خرجوا قديمًا من أرضٍ بعيدة في إفريقيا، ثم تفرّقوا في القارات.
ثم مسحت على رأسه وقالت:
ــ لكنهم كانوا يرحلون طلبًا للحياة يا بني… أما نحن فقد خرجنا لأن الحرب طردتنا.
ــ ما من مدينةٍ في العالم يا بني إلا ومرّت بها قوافل مهاجرين… كأن الرحيل سنّة من سنن الحياة.
رفع الصبي عينيه إلى السماء، متخيّلًا المكان الذي هبط منه آدم وحواء… لعلّ المهاجرين يأتون من هناك أيضًا.
في السماء الممتدة فوق الطفل وأمه مرّ جسمٌ مشتعل بين عيون الليل المتلألئة.
أشار الصبي بإصبعه وسأل:
ــ صاروخ؟
قالت الأم، محاولةً أن تبعد الخوف عن قلبه:
ــ ربما مركبة فضائية.
داعب الخيال قلب الطفل فسأل:
ــ هل تحمل مهاجرين؟
ابتسمت الأم ابتسامةً خفيفة وقالت:
ــ ربما تحمل طفلًا مهاجرًا… مثل سوبرمان.
هدأ صوتها الحنون قلبه، فاستسلم للنوم بين ذراعيها.
رأى نفسه في الحلم يركب فلكًا يسبح فوق موجات الأثير، تهدهده كما كانت مياه النهر تهدهد القارب يوم عبروا. مضى الفلك بعيدًا حتى حطّ به في غابة.
تجمعت حوله القرود، حملته من مركبته، وأخذت تلاعبه وتلهيه.
شبّ الطفل سريعًا تحت شمس الغابة، واكتسب قوة عجيبة. صار يقفز من شجرة إلى أخرى أبعد من القرود، قبل أن يكتشف أنه يستطيع الطيران… كالعصفور، بل أسرع منه.
سمّته القرود القرد الخارق.
ومع الأيام صار قائدها، حتى سيطرت القرود على العالم، وأنشأت إمبراطورية لها أساطيل وطائرات عملاقة لا تُرى في الليل إلا كأشباحٍ تلمع بين النجوم..
وكان لها شعارٌ واحد: موزة صفراء لامعة يطلّ لبّها بين قشرتها، يحملها القرد الخارق على صدره.
في هدوء الليل سمعت الأم ضحكةً صغيرة تتسلل من بين شفتي طفلها النائم.
مدّت يدها تمسح شعره.
لكن الضحكة لم تكتمل.
مرّت في السماء أشباحُ الطائرات، وارتجف الجبل ارتجافة خفيفة كأن الليل زفر زفرة طويلة.
دوّى في الحلم صوتٌ عظيم…
تدحرجت الصخرة من أعلى الجبل، وسقطت بثقلها على العريش.
لحظةٌ واحدة…
وسُحق الحلم، والأم، والعريش.
وفي السماء البعيدة واصلت أشباح الطائرات طيرانها، تلمع بين عيون الليل المتلألئة تراقب بصمتٍ أحلام البشر.
وربما… تسخر قليلًا من تلك الأحلام التي يجهل أصحابها أن بعضها قد يكون قاتلًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة