صناعيون: بدائل وقف الغاز متاحة لكنها أعلى كلفة وتؤثر على التنافسية

عمان – في الوقت الذي أعلنت شركة الكهرباء الوطنية وقف تزويد المصانع بالغاز، دعا صناعيون إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من تأثير القرار على كلف الإنتاج وتنافسية الصناعة الوطنية، مؤكدين ضرورة تسريع الاعتماد على مصادر طاقة محلية، وفي مقدمتها الغاز المنتج من حقل الريشة.


وأشاروا، في أحاديث منفصلة لـ”الغد”، إلى أن المصانع تمتلك بدائل تشغيلية آنية، مثل استخدام الديزل أو الوقود الثقيل أو الغاز المسال لضمان استمرار العملية الإنتاجية، إلا أن هذه البدائل تبقى أعلى كلفة من الغاز الطبيعي، ما يرفع كلف التشغيل ويؤثر على القدرة التنافسية للمنتج الصناعي في الأسواق المحلية والتصديرية في حال استمر الانقطاع لفترة طويلة.
وأوضحوا أن استخدام الغاز الطبيعي يعد بديلاً اقتصادياً يسهم في خفض كلف التشغيل في العديد من الصناعات مقارنة بالوقود الثقيل والديزل، إذ يقدر الفرق في الكلف بنحو 40 % مقارنة بالوقود الثقيل ونحو 60 % مقارنة بالديزل، ما يعني أن التحول إلى هذه البدائل سيرفع كلف الإنتاج بشكل مباشر ويضغط على هوامش الربحية لدى المصانع.
وأدت حالة التصعيد الإقليمي والحرب “الإسرائيلية” الأميركية على إيران التي بدأت في 28 شباط (فبراير) الماضي، إلى انقطاع تزويد المملكة بالغاز الطبيعي الوارد من حقول البحر الأبيض المتوسط، المستخدم لغايات إنتاج الطاقة الكهربائية.
ودفع ذلك شركة الكهرباء الوطنية إلى الإعلان عن خطة طوارئ تضمنت وقفاً مؤقتاً لإمدادات الغاز عن المصانع المتصلة بالشبكة الرئيسة، كإجراء احترازي ينسجم مع أولويات توزيع الغاز المحددة ضمن الخطة، مشيرة إلى أن القرار مؤقت وسيعاد تقييمه مع تحسن الأوضاع الإقليمية واستقرار تدفقات الغاز.
وبدأ مشروع تزويد الصناعات بالغاز الطبيعي من الخط العربي أو بالغاز الطبيعي المضغوط من حقل الريشة أواخر العام 2023، كجزء من خطة لوزارة الطاقة والثروة المعدنية تهدف إلى تزويد أكبر عدد من المدن الصناعية بالغاز في مناطق مختلفة، بعد إيصال الغاز الطبيعي إلى عدد من التجمعات الصناعية، مثل الروضة والموقر والقويرة والمفرق والقسطل والهاشمية.
الجغبير: ضرورة الاعتماد على غاز الريشة
قال رئيس غرفة صناعة الأردن المهندس فتحي الجغبير “إن البدائل المتاحة حالياً تتمثل في التحول إلى استخدام الديزل أو الوقود الثقيل أو الغاز المسال لتشغيل الغلايات والأنظمة الحرارية، الأمر الذي يتيح استمرار العملية الإنتاجية دون توقف”.
وبين أن هذه البدائل بطبيعتها أعلى كلفة من الغاز الطبيعي، ما قد يؤدي إلى ارتفاع كلف التشغيل في حال استمر استخدامها لفترة طويلة، مضيفاً أنه في حال استمرار الانقطاع لفترة أطول، قد تضطر بعض المصانع إلى إعادة جدولة عملياتها الإنتاجية أو تقليل الطاقة الإنتاجية بشكل مؤقت إلى حين استقرار الإمدادات.
وأشار الجغبير إلى أن القطاع الصناعي الأردني استفاد، خلال الأعوام الأخيرة، من إدخال الغاز الطبيعي كمصدر طاقة أقل كلفة، الأمر الذي أسهم في تحسين تنافسية الإنتاج الصناعي، لافتاً إلى أن استمرار وقف الإمدادات لفترة طويلة قد يعيد جزءاً من الضغوط المرتبطة بارتفاع كلف الطاقة، خاصة أن البدائل، مثل الديزل والوقود الثقيل، أعلى كلفة.
وأكد أن القطاع الصناعي اليوم أكثر قدرة على التكيف مقارنة بالماضي نتيجة تنوع مصادر الطاقة لدى بعض المصانع والتوسع النسبي في استخدام الطاقة المتجددة، إضافة إلى الخبرة التشغيلية التي اكتسبتها المصانع في التعامل مع مثل هذه الظروف.
وأوضح أن حجم التأثير يختلف بين القطاعات الصناعية بحسب درجة اعتمادها على الطاقة الحرارية في عمليات الإنتاج، مبيناً أن الصناعات الكيماوية والأسمدة والصناعات التعدينية وبعض الصناعات الغذائية التي تعتمد على الغلايات والبخار، إضافة إلى صناعات الورق والكرتون وبعض الصناعات الدوائية، تعد من أبرز القطاعات التي قد تتأثر بتوقف إمدادات الغاز.
وشدد الجغبير على أن الظروف الحالية تسلط الضوء على أهمية تعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية، وفي مقدمتها الغاز المنتج من حقل الريشة، لما لذلك من دور في تعزيز أمن التزود بالطاقة وتقليل التأثر بأي اضطرابات إقليمية في الإمدادات.
الجيطان: ضرورة اتخاذ إجراءات داعمة لكلف الطاقة
قال ممثل قطاع الصناعات الغذائية والثروة الحيوانية في غرفة صناعة الأردن محمد وليد الجيطان “إن استمرار وقف إمدادات الغاز عن المصانع قد ينعكس على تنافسية الصناعة الأردنية في الأسواق المحلية والتصديرية، في ظل الدور المهم الذي يلعبه الغاز الطبيعي في خفض كلف الطاقة للعمليات الصناعية”.
وأوضح الجيطان، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس غرفة صناعة الأردن، أن الغاز الطبيعي يعد أحد أهم عناصر تقليل كلف الطاقة في العديد من الصناعات، مبيناً أن أي انقطاع في الإمدادات واللجوء إلى بدائل، مثل الديزل أو الوقود الثقيل، سيؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع كلف الإنتاج لدى عدد من الصناعات، خاصة تلك كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأشار إلى أن القطاع الصناعي الأردني أثبت، خلال الأعوام الماضية، قدرة عالية على التكيف مع مختلف الأزمات والظروف الإقليمية، لافتاً إلى أن اعتماد الصناعة على الغاز ما يزال في مراحله الأولى، الأمر الذي قد يحد من حجم التأثير على المدى القصير.
وأكد الجيطان أن المرحلة الحالية تبرز أهمية اتخاذ خطوات عاجلة تسهم في تعزيز استقرار كلف الطاقة على القطاع الصناعي، مبيناً أن هناك تعاوناً وتنسيقاً مستمرين مع الجهات الحكومية لدراسة عدد من البدائل التي من شأنها تخفيف الضغط على القطاع الصناعي أو تحييد أي عوامل قد تؤدي إلى زيادته بشكل كبير.
أبو حلتم: التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة
قال رئيس جمعية شرق عمان الصناعية الدكتور إياد أبو حلتم “إن وقف إمدادات الغاز الطبيعي عن المصانع نتيجة انقطاع الغاز القادم من حقول شرق المتوسط سيؤثر سلباً على تنافسية القطاع الصناعي خلال الفترة الحالية، خاصة في ظل اعتماد العديد من الصناعات على الغاز كمصدر رئيسي للطاقة”.
وبين أن استخدام الغاز الطبيعي يسهم في خفض كلف التشغيل مقارنة بالوقود الثقيل بنحو 40 %، وبنحو 60 % مقارنة بالديزل، ما يعني أن التحول إلى هذه البدائل سيرفع الكلف التشغيلية بشكل واضح وينعكس على أسعار المنتجات الصناعية وتنافسيتها.
وأشار إلى أنه في حال كان انقطاع الغاز لفترة قصيرة قد لا تتجاوز خمسة أو ستة أسابيع، فمن الممكن أن تتمكن بعض المصانع من استيعاب الزيادة في الكلف ضمن هوامشها من دون اللجوء إلى رفع الأسعار، إلا أن استمرار الانقطاع لفترة أطول سيضاعف التحديات أمام القطاع الصناعي.
وأضاف أن أكثر القطاعات الصناعية تأثراً هي الصناعات كثيفة استخدام الطاقة، مثل صناعات الحديد والصلب والإسمنت والصناعات التعدينية والسيراميك، إلى جانب الصناعات الكيماوية والبلاستيكية والصناعات الغذائية التي تعتمد بشكل كبير على عمليات التسخين والبخار، مؤكداً أن استمرار الانقطاع قد يؤثر كذلك على العمالة وعلى القدرة التصديرية للصناعة الوطنية.
وشدد أبو حلتم على ضرورة وجود خطة طوارئ للتعامل مع مثل هذه الظروف، مع تسريع الاعتماد على الغاز المحلي من حقل الريشة، لافتاً إلى أن الدراسات تشير إلى وجود احتياطيات مهمة يمكن استثمارها ضمن البرنامج التنفيذي للحكومة المنبثق عن رؤية التحديث الاقتصادي.
وأوضح أن تطوير استخدام غاز الريشة يتطلب ضغط الغاز إلى مستويات عالية ونقله عبر الأنابيب أو الصهاريج إلى المدن الصناعية ومن ثم توزيعه عبر شبكات محلية، الأمر الذي يشكل حلاً متوسطاً وطويل الأمد لتعزيز أمن الطاقة للصناعة الوطنية.
ودعا إلى التوسع في مشاريع كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة، خاصة توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية، واستخدام الطاقة الشمسية في عمليات التسخين الحراري، لما لذلك من دور في تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي والحد من تأثير ارتفاع كلف الطاقة أو انقطاع إمدادات الغاز.
الصمادي: إطلاق مشروع وطني متكامل لتزويد القطاع الصناعي بالغاز
وقال عضو مجلس إدارة غرفة التجارة الأوروبية في الأردن المهندس محمد الصمادي “إن قرار وقف تزويد بعض المصانع بالغاز في ظل التطورات الإقليمية الحالية، رغم تفهم أسبابه المرتبطة بالظروف الجيوسياسية وأمن التزود بالطاقة، يفرض تحديات حقيقية على تنافسية الصناعة الأردنية في السوق المحلية والأسواق التصديرية”.
وأوضح الصمادي، الذي يشغل أيضاً نائب المدير العام لتطوير الأعمال بمجموعة العملاق الصناعية، أن القطاع الصناعي في الأردن يعتمد بشكل كبير على الطاقة كأحد أهم عناصر كلفة الإنتاج، مشيراً إلى أن كلف الطاقة تشكل في العديد من الصناعات نسبة مرتفعة من الكلفة الإجمالية.
وأضاف أن أي انقطاع أو اضطراب في إمدادات الغاز يدفع المصانع إلى التحول نحو بدائل طاقة أكثر كلفة مثل الديزل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على ارتفاع كلف الإنتاج ويضعف قدرة المنتج الأردني على المنافسة.
وأشار إلى أن المنافسة في الأسواق التصديرية تزداد صعوبة في ظل وجود دول تتمتع بكلف طاقة أقل مثل السعودية ومصر وتركيا، ما يزيد من الضغوط على الصناعة الوطنية في حال استمرار ارتفاع كلف الطاقة.
ولفت الصمادي إلى أن المرحلة الحالية تفرض التحرك بشكل استراتيجي وليس الاكتفاء بالتعامل المؤقت مع الأزمة، مشيراً إلى أن الأردن يمتلك فرصة مهمة في هذا المجال من خلال الغاز المحلي في حقل الريشة، الذي يمكن أن يشكل ركيزة أساسية لتعزيز أمن الطاقة للصناعة الوطنية إذا ما تم تسريع الاستثمار فيه وتطوير البنية التحتية اللازمة لنقله إلى المناطق الصناعية.
وأكد ضرورة إطلاق مشروع وطني متكامل لتزويد القطاع الصناعي بالغاز من حقل الريشة، سواء عبر تسريع مد خطوط الأنابيب إلى التجمعات الصناعية الرئيسية، أو من خلال حلول انتقالية، مثل نقل الغاز المضغوط إلى المصانع في المراحل الأولى قبل اكتمال شبكة الأنابيب.
وشدد الصمادي على أن تسريع تطوير واستغلال الغاز المحلي في حقل الريشة، إلى جانب تبني سياسات طاقة داعمة للصناعة، يمكن أن يشكلا خطوة استراتيجية لتعزيز تنافسية الاقتصاد الأردني وتقليل تأثير الأزمات الإقليمية على الإنتاج وضمان استمرار نمو الصادرات الصناعية، مؤكداً أن بناء منظومة طاقة صناعية أكثر استقلالية اليوم يعد استثماراً في استقرار الاقتصاد الوطني.
أرقام وبيانات القطاع الصناعي
يعد القطاع الصناعي من أكبر مستهلكي الطاقة في المملكة، إذ يستهلك نحو 16 % من إجمالي استهلاك الوقود و22 % من استهلاك الكهرباء.
وبحسب بيانات وزارة الطاقة والثروة المعدنية، فإن إدخال الغاز الطبيعي إلى الصناعة الوطنية يسهم في توفير ما يتراوح بين 50 و60 % من تكلفة فاتورة الوقود والكهرباء، ما يعزز تنافسية القطاع.
ويضم القطاع قرابة 17 ألف منشأة صناعية وحرفية توظف نحو 268 ألف عامل، وينتج ما يقارب 1500 سلعة، ويصدر نحو 1400 سلعة متنوعة من إجمالي 5300 سلعة منتجة ومتداولة في العالم.
وتصل منتجات القطاع إلى أسواق 150 دولة حول العالم، فيما ارتفعت قيمة الصادرات الصناعية خلال العام الماضي بنسبة 10.2 % لتصل إلى 8.9 مليار دينار مقارنة بـ8.07 مليار دينار خلال الفترة ذاتها من العام 2024.

 

 طارق الدعجة/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة