حينما يتحول التسول إلى مصدر للثراء !!

محامي محمد صدقي الغرايبة
لم يعد التسول في عصرنا مقتصراً على الطرق التقليدية التي عرفها الناس قديماً، بل تطور مع تطور وسائل الحياة ليأخذ أشكالاً متعددة، من التسول في المساجد وعند الإشارات الضوئية إلى ما يسمى اليوم بالتسول الإلكتروني عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الظاهرة التي تقوم في ظاهرها على استدرار عطف الناس، أصبحت في كثير من الحالات وسيلة سهلة للكسب السريع، لا تتطلب من صاحبها جهداً أو مهارة سوى التخلي عن الحياء واستغلال مشاعر الآخرين.
ففي الشوارع وعند الإشارات الضوئية يقف المتسولون مستغلين لحظة التوقف القصيرة للسائقين، وفي المساجد يستغل بعضهم قدسية المكان ومشاعر الرحمة لدى المصلين، بينما انتقل آخرون إلى الفضاء الإلكتروني ينشرون القصص المؤثرة والنداءات العاطفية لجمع المال من الناس. وخلال فترة قصيرة قد يتحول الشخص إلى محترف في هذا المجال، يتقن أساليب التأثير والاستدرار، حتى إن بعض الدراسات والتقارير تشير إلى أن الدخل اليومي لبعض المتسولين قد يتجاوز دخل أصحاب وظائف رسمية مرموقة.
خطورة هذه الظاهرة لا تقف عند حدود المال الذي يُجمع بغير وجه حق، بل تتجاوز ذلك إلى آثار اجتماعية وأخلاقية عميقة. فالتسول يرسخ ثقافة الاتكالية ويقتل روح العمل والإنتاج، كما يشجع البعض على ترك السعي الشريف والاعتماد على استغلال عاطفة المجتمع. كما أن انتشار المتسولين في الأماكن العامة والمساجد والإشارات الضوئية يشوه المظهر الحضاري للمجتمع ويخلق شعوراً بعدم الارتياح لدى الناس.
ومن أخطر أبعاد هذه الظاهرة أيضاً ارتباطها في بعض الحالات بشبكات منظمة تستغل الأطفال أو الأشخاص المحتاجين فعلاً لتحقيق مكاسب مالية، الأمر الذي يحول التسول من حالة فردية إلى نشاط شبه منظم يقوم على الاستغلال والمتاجرة بمعاناة الآخرين.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون فقط عبر القوانين والإجراءات الرسمية، رغم أهميتها، بل تحتاج أيضاً إلى وعي مجتمعي. فالمواطن الذي تدفعه إنسانيته إلى مساعدة المحتاجين يجب أن يوجه صدقته ومساعدته إلى الجهات الخيرية الموثوقة أو المؤسسات الرسمية التي تستطيع التحقق من الحالات المحتاجة فعلاً. فالمساعدة العشوائية في الشوارع أو عبر وسائل التواصل قد تشجع المتسولين وتساهم في توسع الظاهرة بدلاً من حلها.
إن التكافل الاجتماعي قيمة نبيلة يقوم عليها المجتمع، لكنه يجب أن يمارس بطريقة واعية ومنظمة تضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها الحقيقيين. فالتسول حين يتحول إلى مهنة يصبح خطراً على المجتمع، ويهدد قيم العمل والكرامة الإنسانية، ويحول التعاطف الإنساني من فضيلة إلى أداة للاستغلال. ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأفراد، حفاظاً على كرامة الإنسان وصوناً لقيم العمل والإنتاج

