حلف هرمز يفضح المأزق الأمريكي: قوة عسكرية عاجزة ونفوذ يتآكل !


مهدي مبارك عبدالله

يشكل مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم إذ يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط والغاز العالمية الأمر الذي يجعله شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي بأسره ومع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تحول هذا المضيق الضيق جغرافياً إلى عقدة استراتيجية كبرى تهدد استقرار أسواق الطاقة وتوازنات النظام الدولي فقد أعلنت طهران عملياً إغلاق المضيق أمام السفن المرتبطة بواشنطن وتل أبيب الأمر الذي أدى إلى شلل جزئي في حركة الملاحة وارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز وأعاد إلى الواجهة واحدة من أخطر نقاط الاختناق الجيوسياسي في العالم وفي خضم هذه الأزمة دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تشكيل تحالف بحري دولي لإعادة فتح المضيق وتأمين الملاحة فيه في خطوة تعكس حجم القلق الأمريكي من التداعيات الاقتصادية والعسكرية لاستمرار إغلاقه لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحولات أعمق في طبيعة القوة الأمريكية وقدرتها على إدارة الأزمات الدولية منفردة

السؤال الأول الذي يفرض نفسه في هذا السياق يتعلق بتوقيت هذه الدعوة الأمريكية خاصة وان ترامب لم يطرح فكرة التحالف البحري منذ بداية الحرب بل جاءت الدعوة بعد أسابيع من التصعيد العسكري وبعد أن تبين لواشنطن أن إغلاق المضيق لم يكن مجرد تهديد إعلامي من جانب إيران بل تحول إلى واقع ميداني قادر على تعطيل حركة التجارة العالمية كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة شكل ضغطاً سياسياً واقتصادياً على الإدارة الأمريكية خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد الانتقادات الداخلية لسياسات الحرب لذلك يبدو أن الهدف من طرح فكرة التحالف لا يقتصر على الجانب العسكري فقط بل يتعداه إلى محاولة تحويل الأزمة من حرب أمريكية إسرائيلية ضد إيران إلى أزمة دولية أوسع تتقاسم فيها عدة دول المسؤولية السياسية والعسكرية عن حماية الممرات البحرية وتأمين تدفق الطاقة العالمية

اللافت أن هذه الدعوة تفتح الباب أمام تساؤل أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة القوة الأمريكية نفسها فالولايات المتحدة تمتلك أكبر قوة بحرية في العالم وتنتشر قواعدها العسكرية في معظم مناطق الشرق الأوسط كما أن أساطيلها الحربية قادرة نظرياً على فرض السيطرة على الممرات البحرية الحيوية ومع ذلك فإن مجرد التفكير في تشكيل تحالف دولي لفتح مضيق هرمز يطرح سؤالاً واضحاً وهو ما إذا كانت واشنطن قادرة بالفعل على القيام بهذه المهمة بمفردها أم أنها باتت بحاجة إلى مظلة دولية توفر لها الغطاء السياسي والعسكري سيما وان المشكلة في مضيق هرمز لا تتعلق فقط بالقوة العسكرية التقليدية بل بطبيعة التهديدات غير المتكافئة التي تمتلكها إيران مثل الألغام البحرية والزوارق السريعة والطائرات المسيرة والصواريخ الساحلية وهذه الوسائل قادرة على تعطيل الملاحة حتى في مواجهة أساطيل ضخمة إذ يكفي لغم بحري واحد أو هجوم محدود بطائرة مسيرة لوقف حركة ناقلة نفط عملاقة وهو ما يجعل عملية تأمين المضيق مهمة معقدة وطويلة الأمد تتطلب انتشاراً بحرياً واسعاً ومستمراً

لهذا السبب تسعى واشنطن إلى إشراك دول أخرى في هذه المهمة ليس فقط من حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي بل أيضاً من القوى الاقتصادية الكبرى التي تعتمد على نفط الخليج مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين فالرؤية الأمريكية تقوم على فكرة أن الدول المستفيدة من تدفق النفط عبر المضيق يجب أن تتحمل جزءاً من مسؤولية حمايته كما أن إشراك هذه الدول يمنح العمليات العسكرية غطاءً سياسياً أوسع ويحولها من عملية أمريكية أحادية إلى تحالف دولي لحماية التجارة العالمية غير أن هذه الفكرة اصطدمت بواقع سياسي مختلف تماماً إذ أبدت العديد من الدول تحفظاً واضحاً على الانخراط في هذه المبادرة فيما فضلت دول أخرى التزام الصمت أو الدعوة إلى خفض التصعيد بدلاً من المشاركة في مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط

الحقيقة ان الموقف المتحفظ الذي أبدته عدة دول حليفة لواشنطن يعكس تحولات عميقة في العلاقات الدولية والكثير من الدول الأوروبية ترى أن الحرب الحالية لم تكن حربها في الأساس وأن الولايات المتحدة وإسرائيل هما من بادرا بالتصعيد العسكري مع إيران ولذلك فإن تحميل المجتمع الدولي مسؤولية معالجة تداعيات هذه الحرب لا يبدو أمراً مقبولاً بالنسبة لبعض العواصم الغربية كما أن العديد من الدول الآسيوية تعتمد على النفط القادم من الخليج لكنها في الوقت نفسه تحرص على الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران وهو ما يجعل مشاركتها في تحالف عسكري ضد طهران أمراً بالغ الحساسية ولهذا بدت دعوة ترامب وكأنها تواجه عزلة غير مسبوقة حيث لم تعلن أي دولة حتى الآن استعدادها الواضح لإرسال سفن حربية إلى المنطقة رغم الضغوط الأمريكية

من الناحية العسكرية إن عملية فتح مضيق هرمز يمكن أن تتم عبر عدة سيناريوهات محتملة السيناريو الأول يتمثل في تنفيذ هجوم عسكري واسع يستهدف البنية العسكرية الإيرانية على طول السواحل المطلة على المضيق بما في ذلك قواعد الصواريخ ومنصات إطلاق الطائرات المسيرة ومواقع الألغام البحرية غير أن مثل هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة لأنه قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب بشكل غير مسبوق ويحول الخليج بأكمله إلى ساحة مواجهة مفتوحة أما السيناريو الثاني فيقوم على نشر قوة بحرية دولية لمرافقة السفن التجارية عبر المضيق بحيث تقوم كاسحات الألغام والسفن الحربية بتأمين الممرات البحرية تدريجياً إلا أن هذا الخيار ايضا يتطلب وقتاً طويلاً وحضوراً عسكرياً مكثفاً كما أنه لا يضمن منع الهجمات المحدودة التي قد تعطل الملاحة في أي لحظة أما السيناريو الثالث فهو الاكتفاء بالتلويح بالقوة العسكرية والضغط السياسي على إيران بهدف دفعها إلى إعادة فتح المضيق مقابل تفاهمات غير معلنة وهو الخيار الذي قد يكون الأقل كلفة لكنه يعتمد على استعداد الطرفين للدخول في مسار تفاوضي

في هذا السياق تبرز مفارقة لافتة في الخطاب الأمريكي حيث أعلن الرئيس ترامب في أكثر من مناسبة أن القوات الأمريكية دمرت معظم القدرات العسكرية الإيرانية لكنه في الوقت نفسه اعترف بأن إيران ما تزال قادرة على تعطيل الملاحة عبر المضيق بسهولة نسبية وهذا التناقض يكشف عن حقيقة استراتيجية مهمة مفادها أن السيطرة العسكرية التقليدية لا تعني بالضرورة القدرة على التحكم الكامل في الممرات البحرية الضيقة خاصة عندما يتعلق الأمر بحرب غير متكافئة تستخدم فيها وسائل بسيطة نسبياً لكنها فعالة للغاية

عند النظر إلى هذه الأزمة من زاوية تاريخية أوسع يبرز تشابه لافت مع تجربة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 عندما تحالفت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد القاهرة بعد قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس حيث اعتقدت القوى الثلاث آنذاك أن استخدامها للقوة العسكرية سيعيد فرض السيطرة الغربية على أهم ممر ملاحي في المنطقة غير أن النتائج جاءت معاكسة تماماً بالفشل السياسي والعسكري لذلك العدوان الذي أدى إلى تراجع النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط وصعود قوى جديدة على الساحة الدولية ومن هنا يطرح بعض المراقبين سؤالاً مهماً حول ما إذا كانت أزمة مضيق هرمز قد تتحول إلى لحظة تاريخية مشابهة تكشف حدود القوة الأمريكية وتسرع التحولات الجارية في النظام الدولي

ربما تكون المقارنة مع أزمة السويس لا تعني بالضرورة أن إيران ستخرج منتصرة أو أن نفوذها سيحل محل النفوذ الأمريكي في المنطقة خاصة وان الوضع الجيوسياسي اليوم أكثر تعقيداً بكثير مما كان عليه في خمسينيات القرن الماضي كما أن ميزان القوى الإقليمي والدولي لا يسمح بقيام قوة إقليمية واحدة بملء الفراغ الاستراتيجي الذي قد ينشأ في حال تراجع الدور الأمريكي لكن المؤكد أن أي صراع طويل حول مضيق هرمز سيعزز مكانة إيران كفاعل لا يمكن تجاهله في معادلات الأمن الإقليمي وسيجبر القوى الكبرى على التعامل معها باعتبارها طرفاً أساسياً في معادلة الطاقة العالمية

في النهاية تكشف أزمة مضيق هرمز في كل يوم عن حقيقة جوهرية في السياسة الدولية المعاصرة وهي أن السيطرة على الممرات البحرية لم تعد مجرد مسألة عسكرية بحتة بل أصبحت جزءاً من شبكة معقدة من التوازنات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية ولذلك فإن الدعوة إلى تشكيل تحالف بحري دولي لفتح المضيق قد تكون محاولة لإعادة تأكيد القيادة الأمريكية للنظام الدولي لكنها في الوقت نفسه تعكس إدراكاً متزايداً بأن عصر الهيمنة المنفردة يقترب من نهايته وأن إدارة الأزمات الكبرى باتت تتطلب توافقات دولية أوسع بكثير مما كان عليه الحال في العقود الماضية وفي هذا المعنى قد لا تكون المعركة الحقيقية في مضيق هرمز معركة بحرية فقط بل معركة أوسع حول شكل النظام الدولي القادم ومن يملك القدرة على رسم حدوده وبناء قواعده

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.