لماذا يفقد المعلم المبدع شغفه في العمل التربوي؟ // المرشد التربوي د. باسم القضاة

في قلب كل مدرسة معلم مبدع، يحمل رسالة، ويؤمن أن التعليم ليس مجرد نقل معرفة، بل بناء إنسان. يبدأ هذا المعلم رحلته بشغفٍ عالٍ، وأفكارٍ متجددة، ورغبة صادقة في إحداث فرق. لكنه، ومع مرور الوقت، قد يتحول إلى معلمٍ يؤدي واجبه بأدنى حد ممكن، فاقدًا للحماس الذي كان يميّزه. فما الذي يحدث؟
أول ما يواجهه المعلم المبدع هو غياب التقدير الحقيقي. فالإبداع يحتاج إلى بيئة تعترف به وتحتفي به، لا أن تتجاهله أو تعتبره أمرًا عاديًا. كلمة شكر صادقة أو إشادة بسيطة قد تكون كفيلة بإحياء طاقته، بينما تجاهل جهوده يزرع داخله شعورًا بالإحباط.
ثم تأتي العقبة الأكبر: قتل المبادرات. عندما تُقابل أفكار المعلم بالتقييد أو الرفض غير المبرر، يشعر أن الإبداع عبء لا قيمة له. ومع تكرار هذا النمط، يبدأ تدريجيًا في الانسحاب، مفضلًا السير في المسار التقليدي الذي لا يكلّفه صدامًا أو نقدًا.
ولا يمكن إغفال أثر غياب العدالة داخل البيئة المدرسية. حين لا يكون هناك فرق بين المجتهد والمقصر، يفقد المعلم المبدع دافعيته، ويشعر أن جهده الإضافي لا يُقابل بما يستحق. العدالة ليست خيارًا، بل أساسٌ لاستمرار العطاء.
كما أن الضغوط الإدارية المتزايدة تُثقل كاهل المعلم، خاصة عندما تتجاوز مهامه دوره التربوي. الأعمال الورقية، والتكليفات المتراكمة، تستهلك وقته وجهده، وتبعده عن جوهر رسالته داخل الصف.
ومن الأسباب الجوهرية أيضًا غياب الدعم المهني الحقيقي. فالمعلم لا يحتاج إلى من يراقبه بقدر ما يحتاج إلى من يوجهه، يدعمه، ويؤمن بقدراته. التغذية الراجعة البنّاءة تصنع الفارق، أما النقد السلبي فيُضعف الثقة ويقتل المبادرة.
ولا تقل البيئة المدرسية أهمية عن كل ما سبق؛ فبيئة يسودها التوتر أو ضعف التعاون تُضعف الحافزية، بينما البيئة الإيجابية تعزز الانتماء وتشجع على الإبداع.
في المحصلة، لا يفقد المعلم المبدع شغفه فجأة، بل يُستنزف تدريجيًا بفعل ممارسات يومية تتراكم دون انتباه. وهنا يبرز دور الإدارة المدرسية كعامل حاسم؛ فهي القادرة على أن تكون بيئة حاضنة للإبداع، أو بيئة طاردة له.
إن الاستثمار في المعلم المبدع هو استثمار في مستقبل الطلبة والمجتمع. فحين نحافظ على شغف المعلم، نضمن تعليمًا حيًا، مؤثرًا، وقادرًا على صناعة الفرق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة