ما وراء الرداء الأبيض: معاناة نفسية صامتة لطلبة الطب


د. عاطف القاسم الشواشرة

 

 

اختصاصي نفسي تربوي
رئيس جمعية العلوم النفسية/ الأردن

==

تشهد المؤسسات التعليمية في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في مستويات الضغوط الدراسية بين الطلبة، ولا سيما في كليات الطب، حيث تتقاطع المتطلبات الأكاديمية الصارمة مع المسؤوليات الإنسانية المرتبطة بطبيعة المهنة. ومن منظور نفسي، لم تعد هذه الضغوط مجرد استجابة طبيعية للتحديات التعليمية، بل أصبحت ظاهرة تستدعي الوقوف عندها بجدية لما لها من انعكاسات عميقة على الصحة النفسية وجودة الحياة لدى الطلبة.
إن طبيعة الدراسة الطبية، التي تتسم بكثافة المناهج وطول سنوات الدراسة والتنافسية العالية، تضع الطلبة في حالة مستمرة من التوتر والقلق. هذا التوتر قد يتطور تدريجيًا إلى ما يُعرف بالاحتراق النفسي أو حتى يتجاوز ذلك إلى اضطرابات نفسية متقدمة كالاكتئاب الشديد والاضطرابات التفككية، حيث يفقد الطالب شغفه وقدرته على الاستمرار بنفس الكفاءة. كما أن الخوف المستمر من الخطأ، نظرًا لارتباط المهنة بحياة الإنسان، يضاعف من حدة الضغط النفسي ويجعل تجربة التعلم أكثر تعقيدًا.
ولا يمكن إغفال دور البيئة التعليمية في تفاقم هذه المشكلة، إذ تفتقر بعض المؤسسات إلى أنظمة دعم نفسي فعّالة، أو إلى أساليب تدريس وتقييم غير مؤنسنة. كما تسهم التوقعات المجتمعية المرتفعة في زيادة العبء، حيث يُنظر إلى طلبة الطب على أنهم مطالبون بالتفوق الدائم، دون الأخذ بعين الاعتبار التحديات النفسية التي يواجهونها.
ومن خلال خبرتي في المجال النفسي، أرى أن التعامل مع هذه الضغوط يتطلب نهجًا متكاملًا يبدأ من داخل المؤسسة التعليمية، عبر تسهيل الوصول إلى خدمات الإرشاد والعلاج النفسي داخل حرم الجامعة من قبل أطباء و مختصين نفسيين اكلنيكيين ومختصين في علم النفس التربوي، وتدريب الطلبة على مهارات التكيف مثل إدارة التوتر والصغوط وتنظيم الوقت وتعزيز المرونة النفسية. كما ينبغي إعادة النظر في أساليب التقييم، بحيث لا تقتصر على الامتحانات النهائية، بل تعتمد على التقييم التراكمي الذي يخفف من حدة القلق، وتبني برامج تفريغ انفعالي بشكل دوري وممنهج في نهاية كل فصل دراسي.
إلى جانب ذلك، من الضروري تشجيع الطلبة على تحقيق التوازن بين حياتهم الدراسية والشخصية، من خلال الانخراط في الأنشطة الرياضية والاجتماعية، لما لها من دور مهم في تخفيف الضغوط. كما يجب العمل على تعزيز ثقافة أكاديمية صحية تُطبع فيها فكرة طلب المساعدة النفسية كأمر طبيعي، بعيدًا عن أي وصمة اجتماعية.
وفي الختام، فإن الاستثمار في الصحة النفسية لطلبة الطب ليس ترفًا، بل هو ضرورة لضمان تخريج كوادر طبية قادرة على العطاء بكفاءة واستدامة. فنجاح الطالب لا يُقاس فقط بدرجاته العلمية، بل بقدرته على الحفاظ على توازنه النفسي ومواجهة تحديات المهنة بثقة ووعي. ومن هنا، فإن بناء منظومة تعليمية أكثر إنسانية، تُراعي احتياجات الطلبة النفسية إلى جانب متطلباتهم الأكاديمية، يعد خطوة أساسية نحو تحقيق جودة تعليم حقيقية. كما أن تعزيز الشراكة بين الجامعات والأسر والمؤسسات النفسية، وفتح قنوات حوار مستمرة مع الطلبة، يسهم في خلق بيئة أكثر دعمًا واحتواءً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.