دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي: بين الطموح والواقع. // د. باسم القضاة

في الآونة الأخيرة، عاد إلى الواجهة الحديث عن مشروع دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي، باعتباره خطوة إصلاحية تهدف إلى توحيد الجهود وتكامل السياسات التعليمية. غير أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من شعارات براقة، يثير تساؤلات مشروعة حول مبرراته الحقيقية وجدواه التربوية، بل ومدى انسجامه مع طبيعة كل قطاع وخصوصيته.
أولًا: اختلاف الفلسفة والأهداف
التعليم المدرسي يقوم على بناء الشخصية المتكاملة للطالب، وتنمية القيم والسلوكيات، إلى جانب التحصيل الأكاديمي. في المقابل، يركز التعليم العالي على التخصص، والبحث العلمي، وإعداد الكفاءات لسوق العمل. هذا الاختلاف الجوهري يجعل من الصعب توحيد السياسات دون الإخلال بخصوصية كل مرحلة.
ثانيًا: تعقيد الإدارة بدل تبسيطها
من الحجج التي تُطرح لصالح الدمج هي تقليل البيروقراطية، لكن الواقع قد يشير إلى عكس ذلك؛ إذ إن إدارة قطاعين ضخمين ومتشعبين تحت مظلة واحدة قد يؤدي إلى تضخم إداري، وصعوبة في اتخاذ القرار، وتداخل في الصلاحيات، ما ينعكس سلبًا على جودة الأداء.
ثالثًا: هل هناك عائد حقيقي ملموس؟
حتى الآن، لا تظهر مبررات واضحة تؤكد أن الدمج سيحقق قفزة نوعية في مخرجات التعليم. بل إن التجارب العالمية تشير إلى أن النجاح في التعليم يرتبط بوضوح الأدوار، لا بدمجها، وبالتخصص في الإدارة لا بتجميعها.
رابعًا: المخاوف التربوية
هناك تخوف حقيقي من أن يطغى الاهتمام بالتعليم العالي، بما يحمله من أبعاد بحثية واقتصادية، على حساب التعليم المدرسي، الذي يُعد الأساس في بناء الإنسان. وأي إضعاف لهذه المرحلة سينعكس سلبًا على كامل المنظومة التعليمية.
خامسًا: البديل الأنسب: التكامل لا الدمج
بدلًا من الدمج الكامل، يمكن العمل على تعزيز التكامل والتنسيق بين الوزارتين من خلال:
مواءمة المناهج مع متطلبات التعليم العالي وسوق العمل
بناء جسور انتقال سلسة بين المدرسي والجامعي
تطوير سياسات مشتركة في الإرشاد المهني والتخطيط المستقبلي للطلبة
خلاصة القول
إن أي قرار إصلاحي في قطاع التعليم يجب أن ينطلق من دراسة عميقة وواقعية، لا من شعارات أو رغبات آنية. والدمج، في صورته الحالية، لا يبدو أنه يقدم مبررات كافية أو نتائج مضمونة، بل قد يحمل في طياته تحديات تفوق فوائده. لذلك، فإن الخيار الأكثر حكمة هو تعزيز الشراكة والتكامل بين القطاعات التعليمية، مع الحفاظ على استقلالية كل منها، لضمان جودة التعليم وبناء أجيال قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
رسالة تربوية:
الإصلاح الحقيقي لا يكون بتغيير الهياكل فقط، بل بتحسين الممارسات، وتمكين الكوادر، ووضع الطالب في قلب العملية التعليمية.

