من المتسوّل الحقيقي؟ // د. باسم القضاة

حين نرى شخصًا يمدّ يده في الشارع طالبًا بعض النقود، سرعان ما يتبادر إلى أذهاننا أنه “المتسوّل”. نحكم عليه من مظهره، من حالته، من طريقته في استدرار العطف. لكن، هل هذا هو التعريف الحقيقي للتسوّل؟ أم أن هناك أشكالًا أخرى أكثر خفاءً وأشدّ خطرًا على المجتمع؟
التسوّل ليس مجرد يدٍ ممدودة، بل هو سلوك قائم على أخذ ما لا يستحقه الإنسان بغير وجه حق. ومن هذا المنطلق، فإن المتسوّل الحقيقي قد لا يقف على قارعة الطريق، بل قد يكون في مكتب، أو مؤسسة، أو موقع مسؤولية.
المتسوّل الحقيقي هو من يتوسّل بالواسطة ليأخذ حق غيره، متجاوزًا القوانين والعدالة. هو من يقبل بوظيفة لا يستحقها، ويزاحم بها من هو أحقّ بها، فقط لأنه يملك “بابًا خلفيًا” يوصله. وهو أيضًا من يمنح هذا الحق لغير مستحقه، فيسهم في ظلم الآخرين وإفساد ميزان العدالة.
هذا النوع من التسوّل أخطر بكثير من تسوّل الحاجة؛ لأن الأول قد يكون بدافع الفقر والضيق، أما الثاني فبدافع الطمع واستغلال النفوذ. الأول يطلب لقمة عيش، بينما الثاني يسرق فرصًا، ويهدم قيمًا، ويزرع الإحباط في نفوس المجتهدين.
إن المجتمع الذي تنتشر فيه الواسطة، ويتراجع فيه معيار الكفاءة، هو مجتمع يكرّس “التسوّل المقنّع”، ويُضعف الثقة بين أفراده. فكيف نطلب من الطالب أن يجتهد، إذا كان يرى أن النجاح لا يُبنى على الجهد بل على العلاقات؟
ختامًا، علينا أن نعيد تعريف مفاهيمنا. ليس كل من مدّ يده متسوّلًا، وليس كل من لبس ثوب الهيبة بعيدًا عن التسوّل. المتسوّل الحقيقي هو من يمدّ يده لحق ليس له، مهما كان موقعه أو شكله. والكرامة الحقيقية أن يأخذ الإنسان ما يستحقه فقط، وأن يترك لغيره حقه دون انتقاص.

