تجار الكلمات – حين تتحول الكلمة إلى سلعة:

محامي محمد صدقي الغرايبة
في خضمّ الأحداث المتسارعة والتحديات التي تمرّ بها المنطقة، تبرز على السطح فئة من الأقلام التي لا تنتمي إلى ضمير الحقيقة بقدر ما تنتمي إلى حسابات المصالح. أقلامٌ مأجورة، اعتادت أن تتلوّن مع كل ظرف، وأن تُعيد صياغة الوقائع بما يخدم أجنداتها، لا بما يعكس الواقع.
هذه الأقلام لا تكتفي بنقل الحدث، بل تعمل على تشكيله وتوجيهه، فتُضخّم ما يجب تقزيمه، وتُهمّش ما يستحق الوقوف عنده. تتقن فنّ ركوب الموجة؛ فإذا اشتدّ الجدل، ارتفعت نبرتها، وإذا هدأت الساحة، اختفت أو بدّلت خطابها. هي لا تبحث عن الحقيقة، بل عن الضوء، ولا تسعى إلى التوضيح، بل إلى التموضع.
والأخطر من ذلك، أنها تحاول إظهار نفسها بمظهر الحريص على المصلحة العامة، متستّرة بشعارات براقة كـ”الموضوعية” و”مواكبة العصر”، بينما في العمق تمارس نوعًا من التضليل الممنهج، فتشوّه الحقائق وتبني سرديات تخدم من يقف خلفها. إنها تمارس ما يمكن وصفه بـ”تزييف الوعي”، حيث تتحول الكلمة من أداة تنوير إلى وسيلة توجيه وخداع.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في وجودها، بل في قدرتها على التأثير، خصوصًا في ظل انتشار وسائل التواصل وسرعة تداول المعلومة دون تمحيص. فالقارئ غير المتخصص قد يجد نفسه أمام خطاب يبدو متماسكًا، لكنه في الحقيقة مفخخ بالانتقائية والانحياز.
وفي مقابل ذلك، تبرز الحاجة إلى وعي مجتمعي أعلى، وإلى أقلام حرة تدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن الحقيقة ليست سلعة تُباع وتُشترى. فالمواقف الصادقة لا تُقاس بمدى انسجامها مع التيار، بل بمدى ثباتها على المبادئ، حتى في وجه الضغوط.
ختامًا، تبقى الحقيقة، مهما تعرّضت للتشويه، قادرة على الظهور. أما الأقلام التي باعت نفسها، فمصيرها إلى زوال، لأنها تراهن على اللحظة، لا التاريخ .

