السوق الشعبي بجرش.. “هجرة عكسية” إلى الشوارع وسط فشل الحلول المؤقتة

جرش – تشهد مدينة جرش في الآونة الأخيرة عودة متزايدة لباعة السوق الشعبي إلى احتلال الأرصفة والوسط التجاري، في مشهد يكرس فشل الحلول التنظيمية السابقة.
فبعد سنوات من محاولات حصر “البسطات” في مواقع محددة، تخلى عدد كبير من التجار عن مواقعهم داخل السوق المخصص لهم، ليتحول الأخير إلى ساحات مهجورة تفتقر للحياة، بينما عادت الفوضى المرورية لتتصدر مشهد المدينة الأثرية.
وتأمل البلدية أن ينجح المشروع الجديد الذي لم ير النور لغاية الآن في التخلص من مشكلة البسطات، لا سيما بعد تجربة السوق الشعبي الذي أنشئ قبل بضع سنوات على دوار القيروان وهرب التجار منه بحجة بعده عن الوسط التجاري، ما اضطر البلدية إلى استئجار قطعة أرض داخل الوسط التجاري وترحيل البسطات إليها إلا أن الباعة لم يلتزموا.
ضيق مساحة وغياب للخدمات
منذ الأيام الأولى لافتتاح السوق الشعبي المستأجر في وسط المدينة، بدأت ملامح الأزمة تلوح في الأفق، إذ لم يصمد الموقع الذي بلغت كلفة استئجاره السنوية 13 ألف دينار بمساحة 400 متر مربع أمام الأعداد المتزايدة للباعة.
هذا الواقع، الذي يتكرر منذ سنوات دون حل جذري، يعكس فشل الموقع الحالي في استيعاب الباعة أو توفير مقومات الاستمرار، ويدفعهم مجدداً إلى العمل في ظروف غير منظمة بحثاً عن مصدر رزق، في المقابل، تتصاعد مطالبهم بإيجاد سوق بديل يكون أكثر اتساعاً وتنظيماً، وقادراً على إنهاء هذه الأزمة الممتدة، التي ما تزال عالقة بين قرارات تنظيمية غير مكتملة، وواقع معيشي يفرض نفسه يومياً.
يقول التاجر يحيى البرماوي “منذ الأيام الأولى لافتتاح السوق الشعبي، بدأت ملامح المشكلة بالظهور تدريجياً، فالموقع المستأجر الذي جرى تخصيصه لاستيعاب البسطات لم يكن قادراً على احتضان الأعداد الكبيرة من الباعة، ما أدى إلى حالة من الاكتظاظ داخل مساحة محدودة،” موضحا أن الاكتظاظ انعكس بشكل مباشر على حركة المتسوقين، حيث بات التنقل داخل السوق أمراً صعباً، ما دفع كثيرين إلى تجنب دخوله، خاصة في أوقات الذروة.
ويضيف أنه ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة مقتصرة على ضيق المكان، بل امتدت لتشمل نقصاً واضحاً في الخدمات الأساسية، فالسوق يفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لبيئة عمل مستقرة، بدءاً من ضعف الإنارة، مروراً بغياب المرافق الصحية الكافية، ووصولا إلى نقص خدمات النظافة والتنظيم، لافتا إلى أنه وفي ظل هذه المعطيات، بدأ التجار يشعرون بأن نقلهم إلى هذا الموقع الحالي من الوسط التجاري لم يكن في صالحهم، بل أدى إلى تراجع ملحوظ في دخلهم اليومي.
ويرى التاجر أحمد العجوري إن المشكلة لم تعد فقط في المكان بل في غياب الزبون، فالسوق بعيد نسبياً عن الحركة ولا يوجد ما يشجع الناس على القدوم إليه، مشيرا إلى أن واقع السوق الحالي يعكس واقعا مريرا يتمثل في غياب الترويج الكافي للسوق وعدم إدماجه ضمن الخريطة التجارية النشطة في المدينة ما جعله معزولاً إلى حد كبير.
ويوضح أن البلدية قامت بإلزامهم بقرار النقل إلى السوق الشعبي منذ سنوات ولم تلتزم بتجهيز السوق بالكامل، إذ أنهم لغاية الآن بدون مرافق صحية على الرغم من جاهزيتها ولم تلتزم البلدية بتعيين حارس على بضائعهم مما تسبب في سرقتها، فضلا عن إغلاق طرق المركبات التي تمر من السوق مما أدى إلى عزل السوق عن الوسط التجاري نهائيا.
ويبرز التاجر إياد القادري وجهة نظر التجار قائلا ” السوق الشعبي فاشل كغيره من الأسواق الأخرى التي أقامتها بلدية جرش الكبرى بهدف منع البسطات من الاعتداء على الأرصفة والأطاريف،” موضحا انه في الوقت الذي التزم فيه التجار بالانتقال إلى السوق لم تلتزم بلدية جرش الكبرى بوعودها بل قامت بإغلاق المداخل والمخارج والسماح للتجار بعمل بسطات جديدة أمام محالهم التجارية وإغلاق المرافق الصحية أمامهم التي لم يتم تشغيلها سوى بضعة أسابيع مع بداية تشغيل المشروع، فضلا عن ضيق مساحة السوق وعدم إيصال التيار الكهربائي للسوق باستمرار.
ويبين أن العديد من التجار تركوا السوق نهائيا واستولوا على الأرصفة وجوانب الطرقات كمواقع بديلة، في حين أن المعطيات تؤكد أن باقي التجار سيتركون السوق بحثا عن مواقع توفر لهم مصادر رزق جيدة لأسرهم.
البلدية.. السوق “مؤقت” والبديل قيد الدراسة
من جانبها أكدت بلدية جرش الكبرى أن موقع السوق الحالي إستراتيجي ومتميز وقد أغلقت الطرقات لغاية السماح لهم بالعمل في نفس الشارع وزيادة مساحة السوق، وقد تم تزويد الموقع بالتيار الكهربائي وقامت البلدية بتشغيل المرافق الصحية لبضعة أسابيع وقامت بعدها بإغلاقه لسوء استخدامه وقد عرضت البلدية عطاء تأجيره ولم يتقدم أي أحد لاستئجار المرافق الصحية.
وتشير البلدية إلى أن السوق الشعبي الحالي لم يكن حلاً دائماً، بل جاء كإجراء مؤقت لتنظيم الوضع في الوسط التجاري لحين إيجاد موقع بديل أكثر ملاءمة وفق مدير البلدية التنفيذي المهندس علي شوقه.
ويبين شوقه أن البلدية تعمل على دراسة عدة خيارات بهدف إنشاء سوق جديد يتمتع بمساحة أكبر وبنية تحتية متكاملة وموقع إستراتيجي يضمن استمرارية العمل وتحسين ظروف الباعة.
ويؤكد أن هذا التوجه رغم أهميته ما يزال يواجه تحديات متعددة أبرزها صعوبة توفير موقع مناسب يجمع بين القرب من الحركة التجارية والمساحة الكافية، إضافة إلى الكلفة المالية لإنشاء سوق متكامل، والتخوف من تكرار تجربة السوق الحالي في حال لم يتم التخطيط له بشكل دقيق، قائلا ” كما يبرز عامل الوقت كعنصر ضاغط في ظل استمرار معاناة التجار الذين هجروا سوقهم الشعبي الحالي وتوزعوا في الوسط التجاري مما أحدث فوضي تنظيمية وتسبب في ازدحامات وإرباكات مرورية فضلا عن تأثر مصادر دخل التجار بسبب حملات إزالة البسطات التي تنفذ بشكل مستمر.”
فيما يرى متابعون أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في الموقع، بل في غياب رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار البعد الاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئة، فالبسطات، بالنسبة لمئات العائلات، ليست مجرد نشاط عشوائي، بل مصدر رزق أساسي، ما يتطلب التعامل معها كجزء من الاقتصاد المحلي، لا كمشكلة تنظيمية فقط.
مطالبات برؤية اقتصادية شاملة
ويرى متابعون للشأن الجرشي أن السوق الشعبي في جرش يقف عند مفترق طرق، فما بين واقع صعب يعيشه الباعة وجهود رسمية لم تكتمل بعد لإيجاد البديل تبقى الحاجة ملحّة لحل جذري يقوم على التخطيط السليم وتوفير بيئة عمل مناسبة تضمن كرامة البائع واستمرارية دخله، وفي الوقت ذاته تحافظ على النظام العام للمدينة لأن نجاح أي مشروع تنظيمي لا يُقاس بإزالة المشكلة من مكان بل بقدرته على معالجتها دون خلق أزمات جديدة.
ويؤكد مهتمون أن الحل يكمن في تبني رؤية اقتصادية شاملة، فالبسطات تمثل مصدر الرزق الوحيد لمئات العائلات والتعامل معها كـ “مشكلة تنظيمية” فقط دون مراعاة البعد الاجتماعي والاقتصادي حيث سيؤدي دائماً إلى فشل الأسواق البديلة.
وكانت بلدية جرش الكبرى تعتزم بناء سوق شعبي جديد هذا العام في موقع الحسبة القديمة لحل مشكلة البسطات والباعة المتجولين وإيجاد مواقع تسويق ثابتة لمشاريع تمكين المرأة والسيدات المنتجات للتخلص من مشكلة البسطات التي تحتل الأرصفة والطرقات وواجهات المحال التجارية في الوسط التجاري.
يذكر أن بلدية جرش الكبرى قامت باستئجار موقع السوق الشعبي الحالي بعقد لمدة 3 سنوات وبمبلغ 13 الف دينار سنويا ومساحته 400 متر وقد تم تجهيزه بمختلف المرافق وتسليمه للتجار قبل 4 سنوات وقد سلمتهم البلدية 38 موقع بسطة وقام العشرات منهم لاحقا بالتبسيط في الشارع ليرتفع عدد التجار فيه بعد موافقة بلدية جرش الكبرى على ذلك.

