حرب الأعصاب في ضوء المنهجية الترامبية


محامي محمد صدقي الغرايبة

=

 

الحرب النفسية “الترامبية” في الشرق الأوسط ليست مجرد تصريحات انفعالية أو تغريدات صاخبة، بل هي أسلوب سياسي قائم بذاته، يقوم على إرباك الخصم، ورفع منسوب الخوف، ثم ترك الجميع في حالة انتظار دائم لما قد يحدث.

منذ عودته إلى البيت الأبيض، بدا واضحاً أن الرجل يعيد استخدام الأدوات نفسها التي اشتهر بها سابقا … التهديد، المبالغة، الرسائل المتناقضة، وصناعة حالة من الضباب السياسي والنفسي. لكنه هذه المرة يستخدمها في منطقة هي الأكثر هشاشة وتوتراً في منطقة الشرق الأوسط.

هذا الرجل لا يخوض الحرب التقليدية من حيث المبدأ بل يخوض حرباً على الأعصاب. يرسل حاملة طائرات، ثم يلمّح إلى التفاوض. يهدد بتدمير دولة، ثم يقول إنه يريد السلام. يرفع سقف الخطاب إلى أقصى حد، ثم يترك الباب موارباً أمام الصفقة. بهذه الطريقة يجعل خصومه وحلفاءه معاً يعيشون في حالة استنزاف نفسي دائم.

في الشرق الأوسط، هذا الأسلوب له أثر مضاعف؛ لأن المنطقة بطبيعتها تعيش فوق بركان من الأزمات: صراع إيراني–إسرائيلي، حرب في غزة، اضطراب في سوريا والعراق، وتوتر في الخليج. لذلك فإن أي تصريح أمريكي لا يُقرأ بوصفه كلاماً إعلامياً، بل باعتباره احتمالاً لحرب أو تسوية أو انهيار.

الترامبية تقوم على ثلاث ركائز في الحرب النفسية:
أولها : تضخيم التهديد:
ترامب لا يهدد بلغة سياسية تقليدية، بل بلغة مطلقة: “النهاية”، “الدمار”، “لن يبقى شيء”. هذه اللغة لا تهدف فقط إلى إخافة الخصم، بل إلى خلق انطباع لدى الرأي العام بأن الولايات المتحدة مستعدة للذهاب إلى أقصى مدى. ففي الأيام الأخيرة صعّد ترامب خطابه تجاه إيران إلى درجة الحديث عن “هلاك حضارة كاملة” إذا لم تستجب لشروطه. 

ثانيهما : صناعة الغموض:

الخصم يستطيع التعامل مع قرار واضح، لكنه يعجز أمام رئيس لا يعرف أحد إن كان سيقصف أم سيفاوض. هذه الضبابية هي السلاح الحقيقي. فترامب يريد أن يبقى الجميع في حالة ارتباك: إيران، إسرائيل، دول الخليج، وحتى حلفاؤه في أوروبا. كثير من المحللين يرون أن سياسته في الشرق الأوسط ليست مبنية على استراتيجية مستقرة بقدر ما هي قائمة على الارتجال المقصود وإبقاء الجميع في حالة انتظار.

اما الثالثة فهي تكمن في نقل المعركة إلى الداخل النفسي للخصم:

فترامب لا يكتفي بتهديد الحكومات، بل يحاول مخاطبة شعوبها، وإقناعها بأن حكوماتها هي سبب الأزمة. هذا ما فعله مع إيران، حين ركّز خطابه على الاقتصاد، والاحتجاجات، والانقسام الداخلي، محاولاً دفع الإيرانيين إلى الاعتقاد بأن استمرار النظام يعني استمرار العزلة والحرب. 

لكن المشكلة أن الحرب النفسية قد تنجح في البداية، ثم تنقلب على صاحبها. ففي الشرق الأوسط، كثيراً ما تتحول التهديدات المفرطة إلى عامل تعبئة لا عامل ردع. فحين يشعر الخصم بأنه مستهدف وجودياً، فإنه لا يتراجع بل يتصلب أكثر. وهذا ما يظهر في الحالة الإيرانية؛ إذ إن الخطاب الترامبي العنيف لم يدفع طهران إلى الاستسلام، بل إلى مزيد من التمسك بخيار المواجهة، لأن النظام الإيراني يرى أن أي تراجع يعني نهايته. 

كما أن هذا النوع من الحرب النفسية لا يربك الخصوم فقط، بل يربك الحلفاء أيضاً.في المنطقة، وحتى أوروبا، لا تستطيع بناء سياسات مستقرة إذا كانت لا تعرف ما إذا كانت واشنطن تتجه نحو الحرب أم نحو الصفقة. ولذلك فإن أخطر ما في “الترامبية” ليس أنها قد تشعل الحرب، بل أنها تجعل الجميع يعيشون في ظل حرب لم تبدأ بعد، لكنها لا تغادر الأذهان.

واخيرا يمكن القول بإن الحرب النفسية الترامبية في الشرق الأوسط تقوم على مبدأ بسيط قوامه اجعل الجميع خائفين، ومترددين، ومنهكين، ثم ادخل إلى المفاوضات من موقع القوة. لكن التاريخ في هذه المنطقة يقول إن اللعب بالأعصاب قد ينجح لفترة، إلا أنه كثيراً ما ينتهي بانفجار لا يستطيع أحد السيطرة.

دمتم بخير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.