حين يُكسر الصمت… ويُفقد المعنى التربوي// المرشد التربوي د. باسم القضاة

في لحظات الصمت التي تسبق بدء اليوم الدراسي، أثناء الطابور الصباحي، وعند تلاوة القرآن الكريم أو رفع السلام الملكي، يُفترض أن تسود هيبة الموقف، وأن يشعر الطلبة بقيمة الانضباط والاحترام، لا خوفًا من سلطة، بل وعيًا بمعنى الجماعة والانتماء. غير أن هذا المشهد الجميل قد يُشوَّه أحيانًا بصوتٍ عالٍ مفاجئ، تخرج منه كلمات جارحة مثل: “اسكت يا حمار” أو “يا كلب”، في لحظة لا تحتمل إلا السكينة والوقار.
هذه الكلمات ليست مجرد زلة لسان، بل هي مؤشر على خللٍ أعمق في الفهم التربوي لدور المعلم. فالمعلم الذي يرفع صوته بالإهانة أمام الجميع، قد يظن أنه يثبت حضوره أو يفرض سيطرته، لكنه في الحقيقة يُفقد نفسه مكانته التربوية، ويهدم جسور الثقة بينه وبين طلبته.
الرسالة الخاطئة
حين يرى الطلبة هذا المشهد، فإنهم يتلقون رسائل غير مباشرة، أخطرها:
• أن الإهانة وسيلة مشروعة للضبط.
• أن القوة تقترن بالصوت العالي لا بالحكمة.
• أن الاحترام يُفرض بالقسوة لا يُكتسب بالقدوة.
وهنا تتحول المدرسة من بيئة تعلم آمنة إلى مساحة توتر، يتعلم فيها الطالب كيف يخاف، لا كيف يحترم.
الخاسر الحقيقي
قد يظن البعض أن الطالب هو الخاسر الوحيد، لكن الحقيقة أن الخسارة جماعية:
• الطالب: يفقد شعوره بالأمان والكرامة.
• المعلم: يفقد هيبته الحقيقية القائمة على الاحترام.
• المدرسة: تتضرر صورتها كبيئة تربوية.
• المجتمع: يخسر جيلاً يُربّى على القسوة بدل القيم.

 

البديل التربوي
الضبط لا يعني الصراخ، والسيطرة لا تعني الإهانة. المعلم القادر هو من يُدير الموقف بحكمة:
• استخدام الإشارة الصامتة أو الاقتراب الهادئ.
• توجيه الطالب بأسلوب فردي بعيدًا عن الإحراج.
• ترسيخ قواعد واضحة للسلوك منذ البداية.
• تعزيز السلوك الإيجابي بدل التركيز على الخطأ فقط.
هيبة الموقف من هيبة المعلم
لحظات القرآن والسلام الملكي ليست وقتًا لاستعراض السلطة، بل فرصة لغرس القيم. والمعلم الواعي يدرك أن أعظم تأثير له لا يكون حين يعلو صوته، بل حين يُحسن إدارة صمته.
ختامًا
التربية ليست كلمات تُقال، بل مواقف تُعاش. وكل كلمة تخرج من المعلم تُسجَّل في ذاكرة الطالب، إما أن تكون بناءً أو هدمًا. فلنختر كلماتنا بعناية، لأننا لا نُعلّم درسًا فقط… بل نُشكّل إنسانًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة