تلاقي الضغوط الدولية والداخلية يعيد توجيه مسار الحرب في سياسات ترامب وخيارات نتنياهو


الدكتور موفق العجلوني

 

بقلم /  السفير الدكتور موفق العجلوني

 

في ظلّ تصاعد الحديث عن احتمالات اتساع رقعة المواجهة المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، تبرز مخاوف حقيقية لدى عدد من المراقبين وصنّاع القرار في المنطقة من الانعكاسات العميقة لمثل هذا المسار، خاصة إذا ما ارتبط بقيادة سياسية تجمع بين نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، في ظل ما يُنظر إليه من سياسات أكثر ميلاً إلى التصعيد العسكري وتغليب الحلول الأمنية على الدبلوماسية.

غير أن التطورات الأخيرة حملت مؤشرات لافتة قد تعيد رسم المشهد، حيث أعلن الرئيس ترامب موافقته على وقف إطلاق النار ووقف الهجمات على إيران لمدة أسبوعين، مشيراً إلى تلقيه مقترحاً إيرانياً من عشر نقاط اعتبره ” أساساً قابلاً للتفاوض “، بل وذهب إلى حد التأكيد بأن معظم نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران قد تم التفاهم بشأنها. كما أشار إلى أن هذه الفترة قد تتيح التوصل إلى اتفاق شامل، تزامناً مع إعلان فتح مضيق هرمز بالكامل، في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بأمن الطاقة العالمي وطمأنة الأسواق الدولية.

في المقابل، عكست التصريحات الإيرانية قدراً من الانفتاح الحذر تجاه هذه المبادرة، مع التأكيد على ضرورة ترجمة الأقوال إلى أفعال، وضمانات حقيقية لأي اتفاق محتمل، وهو ما يعكس إدراكاً متبادلاً لكلفة التصعيد، ورغبة ضمنية في تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وفي هذا السياق، برز الدور الباكستاني كوسيط إقليمي مهم، حيث عملت إسلام آباد على تقريب وجهات النظر بين الطرفين، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع كل من واشنطن وطهران، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع توسعها، وهو ما يعكس عودة الدبلوماسية الإقليمية كأداة فاعلة في إدارة النزاعات.

إنّ هذا التحول النسبي في الخطاب لا يلغي حقيقة أن المنطقة كانت على حافة تصعيد خطير، وأن دول مجلس التعاون الخليجي كانت الأكثر عرضة لتداعياته. فقد عبّرت هذه الدول بوضوح عن أنها ليست طرفاً في هذه الحرب، رغم أنها تتحمل الجزء الأكبر من تبعاتها، سواء من حيث التهديدات الأمنية، أو اضطرابات أسواق الطاقة، أو المخاطر الاقتصادية المباشرة. وقد أكدت مراراً أن أراضيها ومصالحها لا يجب أن تكون ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.

وفي هذا الإطار، جاء الموقف الأردني منسجماً مع هذا التوجه، حيث شددت الأردن على ضرورة وقف الحرب واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية، محذّرة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله من الانعكاسات الكارثية لأي تصعيد على الأمن الإقليمي والدولي، ومؤكداً أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق عبر القوة العسكرية بل عبر الحوار والتفاهم.

إنّ هذه المعطيات تعيد طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة إدارة هذا الملف، خاصة في ظل ما يُسجّل من غياب التشاور الكافي مع الحلفاء الإقليميين، وهو ما دفع العديد من دول المنطقة إلى التفكير في تنويع شراكاتها الاستراتيجية، بما يضمن قدراً أكبر من الاستقلالية في القرار السياسي.

كما أن الضغوط الداخلية تلعب دوراً متزايد الأهمية في هذا السياق، سواء داخل الولايات المتحدة أو في إسرائيل. ففي واشنطن، تتصاعد المعارضة داخل الكونغرس، حيث يقود الديمقراطيون، إلى جانب بعض الجمهوريين، جبهة رافضة لأي انخراط عسكري واسع. فقد حذّر كل من Bernie Sanders  و Alexandria Ocasio-CortezIlhan Omar   وChris Murphy  من مخاطر هذه الحرب، فيما عبّر الجمهوريان Rand Paul  وThomas Massie عن مواقف ناقدة مماثلة.

أما في إسرائيل، فإن الضغوط السياسية والأمنية على حكومة نتنياهو تتزايد، في ظل المخاوف من اتساع رقعة المواجهة وتبعاتها على الداخل الإسرائيلي، ما يضع القيادة الإسرائيلية أمام خيارات صعبة بين التصعيد أو الانخراط في مسار تهدئة.

وعلى الصعيد الدولي، لم تتغير مواقف الحلفاء الأوروبيين الذين واصلوا التعبير عن رفضهم لأي تصعيد عسكري، حيث أكد كل من Emmanuel Macron وOlaf Scholz  وPedro Sánchez على ضرورة إعطاء الأولوية للدبلوماسية، محذرين من التداعيات الخطيرة على الأمن العالمي.

وفي ظل هذا المشهد المركّب، تبدو التهدئة المؤقتة التي أعلنها الرئيس ترامب أقرب إلى استجابة لضغوط متعددة المستويات: داخلية في الولايات المتحدة، وإقليمية من الحلفاء، ودولية من الشركاء الأوروبيين، فضلاً عن حسابات واقعية تتعلق بكلفة الحرب ومآلاتها غير المضمونة.

وبالتالي فإنّ ما يجري اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن توازنات الضغط والتأثير: ضغوط داخلية على الرئيس ترامب تدفعه نحو التهدئة، وضغوط مقابلة على نتنياهو تحدّ من هامش التصعيد، في المقابل هنالك موقف خليجي واضح يؤكد أنه ليس طرفاً في هذه الحرب، رغم تحمله كلفة أضرارها من جميع الأطراف: إيران، والولايات المتحدة، وإسرائيل.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور الذي لعبه المجتمع الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة ومجلس الامن، إلى جانب المواقف الأوروبية المتقدمة، في الدفع نحو التهدئة ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. فقد شهدت الأيام الأخيرة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً، شمل اتصالات وضغوطاً سياسية مباشرة، هدفت إلى احتواء التصعيد وإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار. كما لعب الاتحاد الأوروبي، بدعم من قادته، دوراً واضحاً في ترسيخ خيار الحلول السياسية، والتأكيد على أن أي مغامرة عسكرية جديدة ستكون لها كلفة كارثية على الأمن الدولي واستقرار الاقتصاد العالمي.

ويبدو أن هذا التراكم من الضغوط الدوليةإلى جانب المواقف الإقليمية والداخليةقد أسهم بشكل مباشر في الوصول إلى ما نشهده هذا الصباح من مؤشرات تهدئة، وفي مقدمتها إعلان وقف الهجمات المؤقت وفتح نافذة تفاوضية جدية. وهو ما يعكس، مرة أخرى، أن الإرادة الدولية حين تتوحد، قادرة على كبح جماح التصعيد، وفرض مسار أكثر عقلانية، حتى في أكثر اللحظات توتراً وتعقيداً.

وفي هذا السياق، فإن العودة إلى المسار الدبلوماسي لم تعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لتفادي انفجار إقليمي واسع، قد لا يخرج منه أحد دون خسائر جسيمة. فالحروب قد تبدأ بقرار، لكنها نادراً ما تنتهي وفق حسابات من أشعلها.

“وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا” [سورة الأحزاب: الآية 25].”صدق الله العظين

 

المدير العام

مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

muwaffaq@ajlouni.me

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.