شجرة السدر بالعقبة.. جذور تروي سيرة الثورة وظلال تعانق الوطن

العقبة- تقف المعالم التاريخية كحراس للزمن، تهمس في أذن كل زائر بقصص المجد والبطولة، وتمتد لتشمل الطبيعة الحية التي رافقت مسيرة الإنسان والمكان. وهنا، في ثغر الأردن الباسم، وبجوار بيت الشريف الحسين بن علي، والملاصق لقلعة العقبة التاريخية، تنتصب شجرة سدر معمرة، تضرب بجذورها في أعماق الأرض، وترفع أغصانها نحو السماء، لتكون شاهداً حياً على واحدة من أهم المحطات في تاريخ الأردن الحديث والمنطقة بأسرها؛ ألا وهي انطلاقة وانتصارات الثورة العربية الكبرى.

كانت مدينة العقبة الساحلية بوابة النصر ومفتاح التحرير، وفي عام 1917، عندما زحفت قوات الثورة العربية الكبرى بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، وبمؤازرة فرسان العشائر الأردنية وعلى رأسهم القائد الفذ عودة أبو تايه، كانت هذه البقعة الجغرافية تراقب المشهد، ولقد شهدت هذه السدرة المعمرة -التي ارتبطت لاحقاً باسم قائد الثورة- لحظات دخول الفاتحين، وسمعت صهيل الخيل، وهتافات الرجال الذين جاؤوا يحملون لواء الحرية والنهضة.
وامتدت رمزية هذه الشجرة لتكون رفيقة درب الذاكرة الوطنية، حيث عُرفت في الوجدان الشعبي العقباوي والأردني بـ “سدرة الشريف الحسين بن علي”، إلا أن التدقيق التاريخي والبحث المنهجي في المرويات يضعنا أمام حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن هذه التسمية جاءت “تيمنا” بالشريف الحسين بن علي، وتقديرا لرمزيته ومكانته في قلوب أبناء المنطقة، وما زالت الشجرة إلى اليوم بمثابة “أرشيف حي” يخزن في خلاياه ذكريات تلك الحقبة المفصلية، وتؤكد أن الأردنيين يخلدون قادتهم بإطلاق أسمائهم على أصلب الكائنات الحية وأكثرها عطاءً.
تفاصيل حياة رجال صنعوا التاريخ
يقول الباحث في التراث العقباوي،  عبدالله منزلاوي، في حديث موسع لـ “الغد”: إننا عندما ننظر إلى شجرة السدر المجاورة لبيت الشريف الحسين بن علي، فإننا نقف أمام وثيقة تاريخية حية، تعكس مدى ارتباط الإنسان الأردني بقيادته الهاشمية، مشيرا أن هذه الشجرة عاصرت تحولات كبرى، وكانت جزءاً من المشهد العام للمكان الذي شهد تحركات قادة الثورة.
ويؤكد منزلاوي ان الذاكرة المكانية ترفض النسيان، وتنقل لنا تفاصيل حياة الرجال الذين صنعوا التاريخ، لقد أطلق الأهالي اسم الشريف الحسين على هذه السدرة تيمناً به ومحبةً له ورغم أن الشريف لم يستظل تحتها فعلياً، إلا أن ظلاله المعنوية، ومبادئ ثورته، كانت هي الظل الوارف الذي احتمى به كل العرب، مشيرا إن جذور هذه الشجرة المتشبثة بتربة العقبة تشبه إلى حد بعيد تشبث الأردنيين بأرضهم ومبادئهم التي انطلقت من أجلها الثورة الكبرى، فالتسمية هنا هي فعل وفاء وتكريم يتجاوز حدود الحضور المادي المباشر.
وفي التقاليد العربية الأصيلة، كانت الأشجار المعمرة مراكز اجتماعية وسياسية رمزية تُعقد تحتها المجالس أو تُتخذ كعلامات دالة على مواقع القرار، وفي ظل طقس العقبة الحار، خاصة في فصول الصيف، كانت شجرة السدر هذه توفر ملاذاً وارفاً وظلاً ممدوداً للأهالي والمارة.
وتشير الروايات المحلية المتوارثة عبر الأجيال، إلى أن محيط هذه الشجرة كان يشهد تجمعات لرجالات العقبة، حيث كانوا يستذكرون أمجاد قادة الثورة العربية الكبرى، وتحت ظلال الأشجار المشابهة في المنطقة، رسمت الخطط وعقدت مجالس الشورى، مما جعل الأهالي يربطون بين مهابة الشريف الحسين بن علي، الذي كان يستقبل ضيوفه من شيوخ العشائر وقادة الجند في فناء بيته المجاور، وبين هذه الشجرة التي تقف شامخة كحارس أمين لتلك الذكريات.
تجسيد لرمزية عميقة بالموروث الشعبي
ويضيف الباحث منزلاوي كانت شجرة السدر وما زالت، بمثابة ديوان مفتوح في الهواء الطلق، مبينا انه وفي الثقافة العربية، الشجرة المعمرة هي رمز للضيافة والاحتواء والاستمرارية وعندما نتخيل الأجواء العامة المحيطة ببيت الشريف الحسين بن علي، ونتذكر الأمير فيصل وعودة أبو تايه وغيرهم من قادة الثورة وهم يتحركون في هذا المحيط الجغرافي، فإننا ندرك حجم القرارات التاريخية التي نضجت أفكارها في هذا المكان تحديداً و إن إطلاق اسم الشريف الحسين على الشجرة هو محاولة شعبية عفوية لخلق مساحة للتفكير الإستراتيجي والتأمل في الإرث الذي أفضى إلى تأسيس الدولة الأردنية الحديثة.
إن اختيار شجرة السدر (النبق) لتبقى صامدة في هذا المكان الإستراتيجي، ولتحمل هذا الاسم العظيم، هو تجسيد لرمزية عميقة في الموروث الشعبي والديني العربي فالسدرة تُذكر في الموروث الديني كدلالة على المنتهى والرفعة، وبقاؤها هنا هو رسالة بصرية تؤكد على سمو أهداف الثورة ونبل غاياتها.
من الناحية البيئية والزراعية، تُعرف شجرة السدر بقدرتها الفائقة على تحمل أقسى الظروف المناخية، من جفاف وحرارة عالية وملوحة في التربة، وهي خصائص تتماهى تماماً مع طبيعة مدينة العقبة الصحراوية والساحلية وهذا الصمود الطبيعي للشجرة يعكس بشكل مجازي صمود رجالات الثورة العربية الكبرى، الذين تحدوا الظروف القاسية، وعبروا الصحاري والجبال، متسلحين بإيمان لا يتزعزع بقضيتهم،  وكما أن السدرة تعطي ثمرها (النبق) رغم شح المياه وقسوة المناخ.
مشهد تراثي يشكله هدا الموقع
ويشير مدير ثقافة العقبة، طارق البدور،  إلى أن دراسة التاريخ تتعدى قراءة النصوص إلى قراءة الرموز المكانية، مشيرا أن شجرة السدر في العقبة هي استعارة بليغة للثورة ذاتها؛ جذور عميقة في التاريخ العربي الإسلامي، وجذع صلب لا تكسره الرياح، وأغصان تمتد لتظلل الجميع ورغم يقيننا التاريخي بأن الشريف الحسين لم يجلس تحتها، إلا أن إطلاق اسمه عليها يمثل حالة من التماهي الشعبي مع القائد، مؤكدا أن الشجرة تمثل البركة التي حلت بهذه الأرض منذ أن وطئتها أقدام جيش الثورة، وتذكرنا دائماً بأن البناء الصلب يحتاج إلى جذور راسخة، وأن القادة العظماء يتركون أثراً يمتد ليطال حتى مسميات الطبيعة من حولهم.
في الوقت الحاضر، ومع التطور المتسارع الذي تشهده مدينة العقبة كوجهة سياحية واقتصادية عالمية، زادت أهمية المعالم التراثية كعنصر جذب سياحي يعكس الهوية الثقافية للمدينة. ويحظى محيط بيت الشريف الحسين بن علي وقلعة العقبة باهتمام بالغ من قبل سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة والجهات المعنية بالسياحة والتراث.
وتعد شجرة السدر جزءاً لا يتجزأ من المشهد التراثي لهذا الموقع، فهي تلفت انتباه الزوار والسياح، سواء من داخل الأردن أو خارجه، الذين يقصدون متحف بيت الشريف الحسين بن علي والقلعة. وتضفي هذه الشجرة طابعاً تاريخياً أصيلاً على الساحة الخارجية، مما يجعلها مكاناً مفضلاً لالتقاط الصور التذكارية، والاستراحة بعد جولة في أروقة التاريخ.
قصص حكايات يتناقلها كبار السن
اللافت في شجرة السدر العقباوية هي تلك القصص والحكايات التي يتناقلها كبار السن في المدينة. فالكثير من العائلات العقباوية العريقة تملك ذكريات مرتبطة بهذه الشجرة وبمحيط القلعة. ورغم تصحيح المعلومة التاريخية، إلا أن العاطفة تجاه المكان تبقى حاضرة وبقوة.
يقول الحاج محمود ياسين  “أذكر عندما كنت طفلاً في أربعينيات القرن الماضي، كنا نلعب حول هذه الشجرة، وكان آباؤنا يخبروننا بخشوع عن الأيام التي كان فيها الشريف الحسين بن علي يسكن في البيت المجاور، وكان آباؤنا يقولون لنا إن هذه الشجرة مباركة، فقد أسموها باسمه وكنا نعلم أنه ربما لم يجلس تحتها، لكن اسمه كان يكفي ليجعل منها مزاراً لنا وكنا نلتقط ثمار النبق المتساقطة ونأكلها”. ويضيف؛ “نشعر بأننا نتذوق طعم التاريخ والكرامة، واليوم، عندما أرى أحفادي يقفون أمام نفس الشجرة، أشعر بالفخر لأن هذه الذاكرة لم تمت، وتنتقل من جيل إلى جيل، حاملة معها قيم الولاء والانتماء”.

 أحمد الرواشدة/ الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة