قانون الضمان الاجتماعي… أعمار تحت التعديل // محمد متعب الفريحات

حين خرجت الحكومة لتعلن الأسباب الموجبة لتعديل قانون الضمان الاجتماعي، لم يكن المشهد عاديا على الإطلاق، بل بدا وكأن كرة لهب متدحرجة أطلقت في مساحة هادئة لتبدأ بإشعال الأسئلة والقلق في كل اتجاه. قرار يمس أعمار الناس ومستقبلهم خرج فجأة بلا تمهيد يوازي خطورته، وكأن الزمن نفسه أصبح قابلا لإعادة التشكيل بقرار إداري واحد.
ما الذي يحدث فعلا خلف هذا التعديل، ولماذا الآن، وإذا كان صندوق الضمان في وضع مطمئن كما يقال، فلماذا يشعر الناس أن الفاتورة تدفع من أعمارهم لا من أرقام الحسابات. أين ذهبت سنوات من الوعود بأن هذا الصندوق هو الأمان القادم. أسئلة تتكاثر ولا تجد طريقها إلى إجابة واضحة، فتتحول إلى قلق عام يزداد اتساعا يوما بعد يوم.
في المقابل، تحركت موجة تبرير سريعة كأنها تحاول إطفاء النار قبل أن تنتشر. مسؤولون وخبراء ظهروا ليؤكدوا أن التعديلات ضرورة لا مفر منها، وأنها تصب في المصلحة العامة. لكن المشكلة أن لغة الأرقام لا تهزم شعور الناس، لأن المواطن لا يحسب حياته بالمعادلات، بل بالسنوات التي يقضيها في العمل، وبالانتظار الطويل لحظة راحة يستحقها بعد تعب عمر كامل.
ومع هذا الجدل، بدأت تطرح أفكار توصف بأنها حلول وسط، لكنها تبدو عند كثيرين كأنها محاولة لتهدئة الموج لا لإصلاح البحر. استثناءات هنا، وتخفيفات هناك، وكأن العدالة يمكن أن تجزأ حسب الفئات. لكن الحقيقة أن القوانين الكبرى لا تبنى على الاستثناء، وإلا فقدت معناها وتحولت إلى شعور عام بعدم المساواة.
ولا يمكن فصل هذا الجدل عن واقع بيئة العمل نفسها، تلك التي تراكم فيها التعب فوق التعب. موظفون يعيشون تحت ضغط إداري خانق، تتداخل فيه الواسطة بالمحسوبية، ويضيع فيه صوت الكفاءة. لذلك يصبح التقاعد بالنسبة للكثيرين ليس مجرد نهاية خدمة، بل نافذة نجاة من واقع طويل مرهق.
وسط هذا الضجيج يطفو إلى السطح سيناريو آخر يتحدث عنه البعض بحذر، أن ما يجري قد يكون تمهيدا لصفقة نهائية تقدم لاحقا على أنها إنجاز، عبر تقليص سن التقاعد إلى 62 عاما للرجال و57 عاما للنساء، مع تخفيض نسبة الحسم من 4% إلى 2% للتقاعد المبكر. خطوة قد تعرض كحل وسط، لكنها في نظر منتقدين ليست سوى إعادة تلميع للقرار نفسه وتدوير له في شكل جديد أكثر قبولا.
أما مجلس النواب فقد أصبح في نظر الشارع ساحة اختبار حقيقي، فبين نائب يقف مع نبض الناس وآخر يبدو كأنه يقف في الاتجاه المقابل، تتسع الفجوة بين الثقة والتمثيل. بعض النواب ينظر إليهم كصوت للناس، بينما ينظر إلى آخرين كامتداد لمصالح الحكومة لا أكثر، وكأن الأحداث لم تعد على القانون فقط، بل على من يمثل من.
وفي هذا المشهد برزت مواقف سياسية أعلنت رفضها الواضح للتعديلات، معتبرة أنها تمس العدالة الاجتماعية بشكل مباشر، وعلى رأسها حزب جبهة العمل الإسلامي الذي وقف في موقع معارض معلن لهذه الصيغة. وبين هذا وذاك يبقى الشارع هو الحكم الحقيقي، يراقب بصمت لكنه لا ينسى.
في النهاية، القضية لم تعد مجرد تعديل قانون، بل صارت كرة لهب متدحرجة تمس الثقة قبل النصوص، وتمس الشعور بالعدالة قبل الأرقام. وما بين قرار يتخذ ومواطن ينتظر تفسيره، يبقى السؤال الأكبر معلقا، من يملك حق التحكم بأعمار الناس، ومن يجيب حين يصبح العمر نفسه محل نقاش.

