يوم العلم .. نبض يعلو فوق المكان // محمد متعب الفريحات

في اللحظة التي يعلو فيها العلم فوق السارية، لا يكون المشهد مجرد حركة في الهواء، بل ارتعاشة خفية تمتد الى الداخل، كأن شيئا قديما يستيقظ دفعة واحدة. لا تراه العين فقط، بل تلتقطه الروح قبلا، وتتعرف عليه كما لو أنه جزء منها، لا يفصل بينهما زمن ولا مسافة. هناك، في تلك اللحظة، يتوقف كل شيء قليلا، ويبدأ معنى آخر بالظهور، معنى لا يقال، لكنه يفهم.
العلم الأردني لا يمر كصورة عابرة، بل يقف، يفرض حضوره بهدوء لا يشبه الضجيج، ويترك في النفس أثرا يصعب تجاوزه. ليس لأنه يعلو في المكان، بل لأنه يلامس منطقة لا تصلها الكلمات. هو ليس رمزا نستخدمه حين نشاء، بل حالة نعود اليها حين نحتاج أن نتذكر من نكون، وكيف تشكل هذا الانتماء دون أن نشعر.
الألوان لا تتجاور كزينة، بل كأثر متراكم لزمن طويل. كل لون يحمل حكاية لم تكتمل إلا به، وصوتا لا يزال يتردد في الخلفية مهما تقدم الوقت. لا يشرح نفسه، ولا يحتاج الى تفسير، يكفي أن تراه في مكانه، حتى تدرك أن وراءه ما هو أبعد من الشكل، وأعمق من الوصف، شيء مر بكل ما يمكن أن يمر به وطن، ثم بقي واقفا.
ولأنه كذلك، لا يمكن أن يبقى خارجنا كعلامة نرفعها ونمضي، بل يتحول الى جزء من الداخل، من تلك المساحة التي لا تخضع للمظاهر. يشبه شعورا يفاجئك دون مقدمات، حين ترى ما يخصك حقا، فتدركه قبل أن تسميه. ليس فكرة نتبناها، بل حالة تسكننا، وتظهر كلما احتجنا أن نستعيد أنفسنا.
في يوم العلم، لا يبدو الأمر احتفالا بقدر ما يبدو مواجهة هادئة مع الذات. كأن هذا اليوم يضعنا أمام سؤال لا يقبل التأجيل، هل ما زال هذا المعنى حيا كما يجب، أم تحول الى عادة نكررها دون وعي. هو يوم يزيل الزوائد، ويترك الجوهر مكشوفا، واضحا، لا يقبل التجميل.
العلم لا ينتظر منا أن نحييه، بل أن نكون على مستوى ما يحمله. أن نعكسه في أفعالنا، لا في كلماتنا، وأن نفهم أن الانتماء لا يثبت بالصوت، بل بما يبقى بعد أن يهدأ كل شيء. لا يريد أن يكون حاضرا في الصورة فقط، بل في السلوك، في المواقف، في التفاصيل التي لا يراها أحد، لكنها تصنع الفارق.
وفي لحظات الصدق، حين تختفي المبالغات، ويتراجع الادعاء، يظهر معناه الحقيقي. ليس كراية ترفرف، بل كمرآة صامتة تعكسنا كما نحن، بلا زيادة ولا نقصان. وهنا، يصبح الأمر أعمق من مجرد رمز، ويتحول الى اختبار مستمر، لا يعلن نفسه، لكنه لا يغيب.
فالعلم ليس مجرد شاهد على ما مضى، بل هو ميثاق مع ما سيأتي. وفي كل مرة يلامس فيها الريح، يذكرنا أن العلو ليس في السارية، بل في تلك الروح التي ترفض الانكسار، وفي ذلك النبض الذي يدرك يقينا أن الوطن ليس مكانا نسكنه، بل سر يسكننا، نحيا به، ويحيا بنا.

