الأردنيون يرفعون علمهم

جهاد المومني
لعقود طويلة مضت احتفل الأردنيون بمناسباتهم الوطنية وعبروا عن حبهم لبلدهم وقيادته وجيشه وأجهزته الأمنية، لكن احتفالات هذا العام بيوم العلم جاءت لتميز هذا اليوم بفيض من المشاعر العفوية المتقدة رغبة بفعل أي شيء للتعبير عما في أنفس الأردنيين من شغف بهذا الحمى، بالأهازيج والمسيرات ورفع الأعلام، وبالتعليقات وتبادل التهاني وكاننا لأول مرة نحتفي بمناسبة وطنية، فقد شهدت شوارع المدن تعبئة وطنية غير عادية كللت هذه المناسبة ببوح من الانتماء الغامر غير المسبوق كأنما عانت وطنية الأردنيين لسنين طويلة من الكبت او الخجل، لتندفع اليوم بكل ما يختلجها من ولاء للهوية تعبيراً عما في القلوب المفعمة بحب الوطن.
ما اعتقده في هذا المقام ان الأردنيين راعوا مشاعر غيرهم واحترموا حقيقة ان ما لديهم ليس لدى غيرهم، وان فخرهم قد يفهم احياناً على انه انانية او ربما تطرف في الوطنية ولذلك الزموا انفسهم بالتحفظ في اشهار ولاءهم وتواضعوا في اعلان انتماءهم.
لم يكن الأردنيون في يوم من الأيام إلا محبين مخلصين أوفياء لوطنهم غير انهم في الماضي لم يشعروا ان ثمة ضرورة او حاجة لإطلاق هذه الصحوة وبثها إلى كل العالم، لعلهم اعتقدوا ان حب الوطن يأتي بالفطرة فهو فرض وواجب لا حاجة لإشهاره بالمظاهر، هو حاضر في العقول والقلوب فلما الحاجة إلى إعلانه والهتاف به، انه يولد مع الانسان ويكبر معه ولا يشيخ ولا يموت بل تتسلمه الأجيال راية ترفعها الايدي وتفتديها الأنفس بالأرواح لانها رمز الكرامة والشرف، وهي الأرض والعرض، وهي الماء والهواء، وهي الأمان والبقاء والأمل والمستقبل..، ثم أفاق الأردنيون فجأة على إحساس بالخطر الداهم على بلدهم فرجعوا إلى ذخرهم ومخزونهم من العطاء الاحتياطي ليقولوا كلمتهم مدوية، ونافلة القول ان حبهم للأردن لا يعني كراهية لغيره، فهم قوميّون عروبيون محبون لأشقائهم العرب وأهل نخوة وفزعة، وما اشهار الوطنية والتغني بالعلم إلا رمز للوحدة والقوة وان البقاء والصمود والازدهار في الأردن ليست صنيعة الصدف، وانما هي مخاضات تجاوزناها بروح هذا الشعب، فما أكثر الذين يريدون منه شيئاً لا يعطى إلا للأوفياء المخلصين، فالأردن ليس كأي وطن، وكما يقال بلغتهم (العين عليه) ومستهدف بإعلان اعدائه من الطامعين والحاسدين.
تشتعل غيرة الأردنيين على بلدهم، فلا يتسامحون مع من ينقص قدر هذا الوطن، فاذا أساء احدهم للأردن بتلفيق دسيسة او سخرية سمجة هبوا للتصدي له وتقريعه، حتى المحايدين منهم وهم قلة بالمناسبة تأبى أردنيتهم إبقاءهم على الحياد اذ سرعان ما تستيقظ غريزة الثأر في دواخلهم ويندفعون للرد على المسيء كل بما لديه من أدوات وقدرات.
قلت مرة ان التغير الذي طرأ على شخصية الأردنيين جذري ولافت، وعندما أقول الأردنيين فإنني اقصد الأردنيات النشميات قبل الأردنيين النشامى والصغار والكبار، كلهم اليوم وكأني بهم يتحينون الفرصة للتعبير عن وطنيتهم والتباهي بوطنهم، لإحساس لديهم ان هذا هو الوقت المناسب للشكر والامتنان، لله وللوطن وللملك وللجيش ولحماة الاردن وحراسه من نشامى الأجهزة الأمنية، انها فرصتهم للخروج إلى الميادين لقول ما لم يقولوه من قبل: الحمد لله على ما نحن فيه وعليه.

