عندما يُهان العلم ماذا يبقى من القيم ؟

مهدي مبارك عبدالله
=
في لحظة سعيدة كان يفترض أن تتوشح بالفرح الغامر والمشاعر الوطنية الجياشة وأن ترتفع فيها رايات الوطن سامقة تعبيراً عن الفخر والانتماء لا ساحةً للجدل أو الإساءة برزت حادثة مؤسفة على منصات التواصل الاجتماعي تمثلت في قيام إحدى السيدات بالاستهزاء بالعلم الأردني والتقليل من رمزيته خلال احتفالات يوم العلم، وهي واقعة لم تكن مجرد تصرف عابر بقدر ما أثارت موجة واسعة من الاستنكار وفتحت الباب أمام تساؤلات عميقة حول حدود الوعي الوطني ومعنى الحرية والمسؤولية في الفضاء العام إذ سرعان ما تحركت
الجهات المختصة بدورها سارعت الى التعامل مع الحادثة بحنكة وعقلانية في إطار القانون الذي يجرّم المساس برموز الدولة ويؤكد أن هيبة الوطن ليست موضع اجتهاد أو عبث غير أن أهمية هذه الواقعة لا تكمن فقط في بعدها القانوني أو في كونها سلوكاً فردياً مرفوضاً بل فيما كشفته من وجود فجوة لدى البعض في فهم دلالات العلم ومكانته في وجدان الأردنيين وهو ما يجعل من هذه الحادثة مدخلاً ضرورياً لإعادة طرح السؤال الأكبر الذي يتجاوز حدود الواقعة نفسها إلى عمق المعنى ماذا يعني أن يُهان العلم ولماذا يتحول العلم إلى هدف للإساءة بدل أن يبقى رمزاً للكرامة وكيف يمكن لمثل هذا الفعل أن ينعكس على منظومة القيم والانتماء في مجتمع تشكّل عبر تاريخ طويل من التضحيات وصون الكرامة الوطنية
لا شك بان هذا التصرف الفردي الذي طغى عليه سوء التقدير وقصر النظر واستفز مشاعر الناس مؤسف جدا سيما وانه أعاد طرح سؤال أعمق من الحادثة نفسها يرتبط بوعي المجتمع واحترام معاني الولاء والانتماء وما حدث لا يمكن قراءته بوصفه فعلاً عابراً أو سلوكاً فردياً معزولاً بل هو مؤشر واضح على خلل في إدراك بعض الأفراد لقيمة الرمز الوطني وحدود التعبير المسؤول وهو ما يستدعي وقفة وطنية تحليلية جادة تعيد تعريف المفاهيم وتضع الأمور في سياقها الصحيح بعيداً عن الانفعال والانتقام وبمنطق علمي راشد
العلم الأردني في مكانته واعتباره ليس مجرد قطعة قماش ملونة ترفع في المناسبات ثم تُطوى للذكرى القادمة بل هو خلاصة تاريخ طويل من النضال والتضحيات وهو التعبير البصري عن هوية وطن تشكل عبر مسيرة من الصبر والثبات والإنجاز وهو الراية التي التف حولها الأردنيون في لحظات التأسيس والبناء والتحدي وهو الشاهد الصامت على دماء سالت دفاعاً عن الأرض والكرامة وهو الحاضر في وجدان كل أردني حين يرى بلاده في محفل دولي أو يسمع نشيده في مناسبة وطنية ولذلك فإن أي إساءة لهذا العلم لا تُفهم على أنها موجهة لرمز جامد بل هي تمس معنى الوطن ذاته وتمتد في دلالتها لتطال مشاعر أبنائه وتاريخهم وذاكرتهم الجمعية
في السياق الوطني من المؤكد إن تقدير العلم واحترامه لا يأتي من باب المجاملة أو العادة الاجتماعية بل هو سلوك يعكس عمق الانتماء وصدق العلاقة بين المواطن ووطنه والدول التي تحترم نفسها تغرس في أبنائها منذ الصغر معنى الرموز الوطنية وتجعل من العلم قيمة عليا لا يجوز المساس بها لأنه يمثل السيادة والشرعية والاستقرار وهو ما أكده الدستور والقانون الأردني بوضوح حين وضع نصوصاً صريحة تجرّم الإساءة للعلم وتفرض عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة ليس بدافع القمع والقهر بل من أجل حماية هيبة الدولة وصون وحدتها ومنع أي سلوك قد يفتح باب الفتنة أو يضعف الثقة بالثوابت الوطنية
لا يمكن في هذا المقام تجاهل الخلط الذي يقع فيه البعض بين حرية التعبير وبين الاعتداء على الرموز خاصة وان الحرية في مفهومها الصحيح لا تعني الفوضى ولا تبرر الإساءة ولا تمنح أحداً الحق في التطاول على ما يمثل كرامة شعب بأكمله فحرية الرأي تبقى محكومة بسقف المسؤولية الأخلاقية والوطنية وأي خروج عن هذا الإطار يتحول من ممارسة مشروعة إلى سلوك مرفوض قانونياً ومجتمعياً ومن هنا فإن إدراج مثل هذه التصرفات تحت مظلة الحرية هو تشويه للمفهوم وإساءة له قبل أن يكون إساءة للوطن
القراءة الدقيقة لهذه الحادثة تكشف جانباً آخر لدى البعض يتعلق بثقافة الظهور والبحث عن لفت الانتباه التي باتت تدفعهم إلى ارتكاب أفعال صادمة دون إدراك لعواقبها وهو ما يفرض على المجتمع ومؤسساته التربوية والإعلامية مسؤولية مضاعفة في تعزيز الوعي وبناء شخصية الفرد المتزنة التي تدرك أن القيمة الحقيقية لا تُبنى على الإثارة بل على الانتماء والعمل والإنتاج وأن السلوك الفردي لا ينفصل عن صورته في الوعي الجمعي فكل تصرف ينعكس على صورة الوطن ويؤثر في تماسكه
البعد التاريخي للعلم الأردني يحمل في ألوانه دلالات عميقة تمتد إلى جذور الأمة العربية والإسلامية ويختزن في رمزيته إرث الثورة العربية الكبرى ومسيرة الدولة الأردنية منذ التأسيس حتى اليوم وهو ما يجعله أكثر من مجرد شعار بل رواية وطنية متكاملة تبدأ من الماضي ولا تنتهي في الحاضر بل تمتد إلى المستقبل حيث يحمله الشباب جيلاً بعد جيل باعتباره أمانة لا يجوز التفريط بها أو التقليل من شأنها والاستهزاء بها او تحقيرها
بناء على ما تقدم يجب أن يكون التعامل المستقبلي مع أي إساءة للعلم في إطارين متكاملين الأول قانوني حازم يطبق النصوص دون تردد ليكون رادعاً لكل من تسول له نفسه العبث بالثوابت والثاني توعوي عميق يعيد بناء الفهم الصحيح لمعنى الوطنية ويعزز ثقافة الاحترام والانتماء ويمنع تكرار مثل هذه السلوكيات من جذورها لأن الردع القانوني وحده لا يكفي إذا لم يُسند بوعي حقيقي يدرك خطورة الفعل وأبعاده
حادثة إهانة العلم رغم قسوتها وتداعياتها يتوجب التوقف عندها بوصفها ناقوس خطر يدق في وجدان المجتمع ومحطة مراجعة يستذكر فيها الاردنيون الشرفاء العلم ذاكرة الوطن التي لا تُهان وان الإساءة له خط أحمر موثق بالوعي قبل احكام القانون وان احترامه مسؤولية وطنية لا خيار شخصي وان هيبة الدولة تبدأ بتوقير رموزها وان الراية الاردنية التي خضبت بالدم يجب ان لا تُمس بالتحقير والاستهتار كما ينبغي الا تجرح بسوء الفهم او قصور المواطنة وانكفاء الوطنية لأنها بداءة وستبقى عنوانا مشرفا للسيادة والعزة والعنفوان ولعل الدرس الأهم أن حماية الرموز الوطنية تبدأ من صون حياة الإنسان واحترام وكرامته وأن أي خلل في هذا الميزان ينعكس مباشرة على صورة الوطن في عيون أبنائه قبل الآخرين
العلم الاردني بكبريائه وشموخه سيبقى بحول الله فوق كل محاولات الإساءة والعبث خفاقا عالياً يمثل سياج الوطن وحصنه المنيع والراية الهاشمية الخالدة التي اجتمع تحتها الأردنيون قيادة وشعباً بمعانيها السامية تشكل العنوان الابرز الذي تختصر فيه حكاية الكرامة والعزة والتاريخ والأمانة المقدسة التي حملها الآباء بدمائهم وسلموها للأبناء ليصونوها بوفائهم لا ليعبثوا بها ومن المهم الفهم جيدا بآن أي اساءة للعلم ليست مجرد مخالفة عابرة بل هي جرح عميق في الوجدان الوطني وهي ايضا إساءة لكل بيت أردني ولكل أم قدمت شهيداً ولكل جندي وقف على الحدود ولا زال يقف دفاعاً عن تراب هذا الوطن ولكل قصة تعب وبناء صنعت ما نحن عليه اليوم من امن واستقرار وتقدم
ما يزيد خطورة هذه الحادثة أن بعض الأصوات النشاز على مواقع التواصل سعت إلى توظيفها في سياق التحريض وبث سموم العنصرية عبر ترويج روايات مغلوطة حول أصول السيدة التي قامت بهذا التصرف بهدف تأجيج الانقسام بين أبناء المجتمع الواحد وهو سلوك مرفوض يتنافى مع القيم الوطنية الجامعة التي تقوم على احترام التنوع ووحدة الصف ومن هنا تبرز الحاجة إلى وعي جماعي يحذر من الانجرار خلف هذه الخطابات المقززة التي تنفخ في نار الفتنة وتصب الزيت عليها لأن حماية النسيج الوطني لا تقل أهمية عن حماية الرموز ذاتها بل هي الضامن الحقيقي لصونها وترسيخ مكانتها في الوجدان العام
ختاما : الواجب الوطني والأخلاقي يحتم على الجميع أن لا يقفوا عند هذه الحادثة بالغضب والاستنكار والرفض فقط بل باستحضار روح الوعي والمسؤولية وأن يدركوا أن احترام العلم هو احترام لأنفسنا قبل أي شيء وأن الحفاظ عليه هو حماية لتاريخنا وكرامتنا ومستقبل أبنائنا وأن الوطن الذي رُوي بدماء الشهداء وتضحيات الاباء والاجداد لا يُصان إلا بالوعي الحر والانتماء الصادق لتبقى رايتنا خفاقة ما بقي في هذا الوطن في ضمير شعب يعرف قيمتها ويصونها بإخلاص ويورثها للأجيال نقية عزيزة مرفوعة في سماء المجد لا تنحني ولا تُهان
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

