وسط إمكانات وتحديات.. مطالب باستغلال الطبيعة في إربد لخلق سياحة علاجية

إربد – رغم ما تمتلكه محافظة إربد من ثروات طبيعية هائلة، من ينابيع مياه معدنية ذات خصائص علاجية فريدة، وأودية خلابة، وهضاب تمنح الزائر فرصة واسعة للاستجمام والراحة، إلا أن هذه الإمكانات لم تتحول بعد إلى قطاع سياحي علاجي منظم قادر على جذب الاستثمارات المحلية والخارجية.
وتحتضن المحافظة عشرات المواقع الطبيعية المؤهلة للاستشفاء والاسترخاء، كالحمة الأردنية التي تقع في وادي اليرموك شمال غرب مدينة إربد، وتتميز مياهها المعدنية بارتفاع درجة حرارتها واحتوائها على عناصر طبيعية مفيدة، لعلاج أمراض المفاصل والجلد.
وهناك أيضا حمامات الشونة الشمالية التي تشمل برك سباحة داخلية وخارجية ومساحات خضراء واسعة، وتوفر أجواء مناسبة للاستشفاء والاسترخاء، إضافة إلى حمة أبو ذابلة التي تنشأ مياهها المعدنية من طبقات كلسية طباشيرية، وتصل درجة حرارتها إلى 37 درجة مئوية، إلى جانب عيون الحمام التي تقع في واد عميق شمال شرق دير أبي سعيد، وتتميز بتدفق مياه معدنية وسط طبيعة خضراء وأودية متشابكة.
وتلك المواقع ما تزال بعيدة عن الاستفادة الكاملة من هذه الموارد، وهو ما يحرم الاقتصاد المحلي من مصدر مهم لخلق فرص عمل جديدة، وزيادة العوائد الاقتصادية.
وفي إربد تحديدا، تنتشر ينابيع المياه المعدنية في مناطق متعددة، مثل وادي اليرموك والمخيبة الفوقا والشونة الشمالية ودير أبي سعيد، وهي مواقع تجمع بين الخصائص العلاجية والطبيعة الخلابة، ما يجعلها بيئة مثالية لتطوير منتج سياحي متكامل يجمع بين العلاج والاستجمام.
إلا أن هذه المواقع ما تزال تعاني من ضعف البنية التحتية والخدمات السياحية المتخصصة، من منتجعات صحية وفنادق مجهزة إلى مرافق طبية متكاملة، وهو ما يحول دون تحويل هذه المواقع إلى وجهات علاجية عالمية. كما أن غياب الحملات الترويجية والتسويقية يحد من قدرة المحافظة على استقطاب الزوار من داخل الأردن وخارجه، بالرغم من أن الإمكانات الطبيعية تؤهلها لمنافسة أفضل الوجهات العلاجية في المنطقة.
عناصر علاجية طبيعية
حول ذلك، قال المواطن أحمد الشريدة “إن محافظة إربد تمتلك مقومات طبيعية نادرة تجعلها قادرة على أن تصبح وجهة سياحية علاجية متميزة على المستويين الوطني والإقليمي”، مضيفا أن المياه المعدنية المنتشرة في وادي اليرموك والمخيبة الفوقا تحتوي على عناصر علاجية طبيعية تساهم في تخفيف آلام المفاصل والعضلات، وعلاج بعض الأمراض الجلدية المزمنة.
وأضاف أن هذه الإمكانات لا تتطلب أكثر من استثمار نسبي بسيط لإنشاء مرافق علاجية وسياحية منظمة، يمكن أن تجذب السياح من مختلف المحافظات والدول المجاورة، مؤكدا أن الاستثمار في هذه المواقع لن يعود بالنفع على السياحة فقط، بل على القطاع الصحي والاقتصاد المحلي ككل، من خلال خلق وظائف في الخدمات والفنادق والمطاعم والنقل المحلي.
وأشار الشريدة، إلى أن قرب إربد من الحدود الشمالية للمملكة يعطيها ميزة إضافية، حيث يمكن للزوار من سورية، فلسطين والعراق الوصول بسهولة إلى مواقع العلاج الطبيعية، كما أن سهولة الوصول إليها من عمان والمحافظات الأخرى، تجعلها نقطة جذب استراتيجية.
أما المواطن رامي الخصاونة الذي يعمل في أحد المكاتب السياحية، فيرى أن تطوير البنية التحتية لمواقع السياحة العلاجية في إربد ضرورة عاجلة، وأن غياب الاستثمار في هذا القطاع يمثل ضياعا كبيرا للإمكانات الطبيعية.
وأكد أن الزائر الحديث يبحث عن تجربة شاملة تجمع بين العلاج والاستجمام والراحة، وهذا ما نفتقده حاليا في معظم المواقع الطبيعية بالمحافظة، بالرغم من وجود برك مياه معدنية ومواقع طبيعية خلابة، لكن لا تتوفر فيها مرافق حديثة أو خدمات سياحية أساسية، مثل الفنادق المجهزة أو المراكز الطبية الصغيرة.
وأشار، إلى أن تطوير الطرق المؤدية إلى هذه المواقع، وتوفير لافتات إرشادية واضحة، ومواقف سيارات ملائمة، كلها عوامل تجعل الموقع أكثر جذبا للزوار المحليين والدوليين.
التعاون بين القطاعين
من جهتها، تشدد المهندسة المتخصصة في السياحة المستدامة آلاء عبابنة على أن السياحة العلاجية تمثل خيارا استراتيجيا للأردن في ظل الظروف الاقتصادية والإقليمية الحالية، كونها تستند إلى حاجة حقيقية للزائر، وليست مجرد نشاط ترفيهي.
وأضافت، أن المياه المعدنية والمواقع الطبيعية العلاجية توفر فرصة استثنائية لإنشاء منتج سياحي مستدام، يمكن أن يدعم الاقتصاد المحلي ويخلق فرص عمل متعددة في مجالات السياحة، الخدمات، الفنادق والمطاعم، إضافة إلى دعم الحرف والمنتجات المحلية، لافتة إلى أن التعاون بين القطاعين الخاص والعام هو مفتاح نجاح هذا القطاع، حيث توفر الحكومة البنية التحتية الأساسية والقوانين المناسبة، بينما يقوم المستثمرون بتطوير المنتجعات والمراكز العلاجية، في حين أكدت أن ضمان جودة الخدمات الطبية والتجربة العلاجية المتكاملة للزوار سيجعل إربد وجهة سياحية علاجية عالمية، ويعزز سمعة الأردن كدولة تتمتع بخبرة طبية متميزة ومقومات طبيعية نادرة.
وبينت عبابنة، أن التجربة العلاجية المتكاملة تشمل الماء والمعالجة الطبيعية، إضافة إلى الاسترخاء والخدمات السياحية المتنوعة، وأنه إذا استثمرت هذه العناصر بشكل صحيح، فستصبح إربد رائدة في السياحة العلاجية، وسنتمكن من جذب عدد كبير من الزوار سنويا، ما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد المحلي ويخلق فرص عمل مستدامة.
ومن وجهة نظر المرشد السياحي محمد غرايبة، فإن تطوير السياحة العلاجية يعود بالنفع على الاقتصاد المحلي بشكل عام، وليس فقط على القطاع السياحي، مبينا أن زيادة أعداد الزوار ستنعكس مباشرة على المطاعم، الفنادق والمحلات التجارية، وتخلق فرص عمل جديدة للشباب، وتساعد على تنشيط الأسواق المحلية. كما أن إدراج هذه المواقع ضمن البرامج السياحية الوطنية سيجعلها أكثر جاذبية للاستثمارين المحلي والدولي.
وأضاف أن الزائر الذي يأتي للعلاج يبحث أيضا عن خيارات للطعام والراحة والأنشطة الترفيهية، وهذا ما يفتقد في معظم المواقع الحالية. لذلك، يجب تطوير خدمات شاملة، تشمل المطاعم، المقاهي والمرافق الصحية، حيث تكون تجربة الزائر متكاملة ومميزة، مما سيجذب المزيد من السياح.
تعزيز الاقتصاد المحلي
إلى ذلك، قال عضو مجلس بلدي سابق، محمود هياجنة “إن تطوير السياحة العلاجية يمثل فرصة حقيقية لتعزيز الاقتصاد المحلي”، مشيرا إلى أن هذا القطاع يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة للشباب، ويساهم في تحسين مستوى الخدمات في المناطق المحيطة بالمواقع الطبيعية.
وشدد على أن البلديات تستطيع تحسين البنية التحتية والخدمات العامة، مثل الطرق والمواقف والمرافق الصحية، ما يسهل الوصول إلى المواقع العلاجية ويجعلها أكثر جذبا للزوار، مؤكدا أن التعاون بين القطاعين العام والخاص ضروري لتحقيق هذا الهدف.
وأضاف هياجنة، أن الاستثمار في هذه المواقع لن يحسن فقط تجربة الزائر، بل سيعود بالنفع أيضا على المجتمع المحلي بشكل عام، من خلال تحسين الخدمات العامة، رفع مستوى المعيشة وزيادة النشاط الاقتصادي في المناطق المحيطة بهذه المواقع الطبيعية.
بدوره، أكد رئيس لجنة بلدية معاذ بن جبل، المهندس معتصم العمري، أن البلدية أنهت ملف موقع حمة الشونة الشمالية قضائيا بعد نزاع طويل مع المستثمر السابق استمر لسنوات في المحاكم، قبل أن يحسم لصالح البلدية.
وأضاف أنه تم وضع اليد على الموقع رسميا بتاريخ 25/11/2025، بجهود الدائرة القانونية ومحامي البلدية الذي تابع القضية حتى استعادته، لافتا إلى أن الموقع عند استلامه كان بحالة سيئة جدا، وغير صالح للاستخدام، ما استدعى إغلاقه من جميع الجهات لحين البدء بأعمال الصيانة وإعادة التأهيل.
كما أشار العمري، إلى أن البلدية تعمل حاليا في اتجاهين متوازيين؛ الأول من خلال وزارة الإدارة المحلية، عبر تبادل الخطابات والوثائق مع الجهات المختصة، والثاني بالتنسيق مع وزارة الاستثمار، لوضع المشروع على الخريطة الوطنية للاستثمار، رغم وجود بعض البطء في الإجراءات.
وأكد أنه تم مؤخرا، فتح قناة تواصل مع بنك تنمية المدن والقرى، حيث جرى طرح المشروع خلال اجتماع رسمي، ما أسفر عن ترتيب زيارة ميدانية لتعزيز الجهود وتسريع إدراج المشروع ضمن أولويات الاستثمار، مشيرا إلى أن المشروع ليس تقليديا، بل مشروع نوعي على مستوى الوطن، وقد يحمل بعدا أوسع، ما يتطلب استقطاب مستثمر يمتلك خبرة وملاءة مالية كبيرتين، لتنفيذه بالشكل الأمثل.
وشدد على أن البلدية لا تستطيع تنفيذ المشروع بإمكانياتها الذاتية، خصوصا في ظل تجارب سابقة لم تحقق النجاح المطلوب، مؤكدا أن الشراكة مع القطاع الخاص هي الخيار الأنسب، لضمان نجاح المشروع واستدامته.

