تعزيز ثقافة التعامل مع الكاميرات المرورية ضرورة !!

محامي محمد صدقي الغرايبة
تعزيز ثقافة التعامل مع الكاميرات التي ترصد المخالفات المرورية لم يعد ترفًا توعويًا، بل ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة في عالم التكنولوجيا وتزايد الاعتماد على الأنظمة الذكية في ضبط السلوك المروري. فالكاميرات اليوم لم تعد مجرد أدوات لرصد السرعة أو تجاوز الإشارة الحمراء، بل أصبحت منظومة رقابية متكاملة قادرة على تتبع أنماط القيادة المخالفة بدقة عالية، مثل استخدام الهاتف أثناء القيادة، وعدم ربط حزام الأمان، وتغيير المسرب بشكل غير قانوني، وغيرها من السلوكيات التي كانت سابقًا تمر دون رصد فعال.
غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود هذه الكاميرات أو تطورها، بل في ضعف الثقافة المجتمعية المرتبطة بالتعامل معها. فالكثير من السائقين ما زالوا ينظرون إلى الكاميرات كأداة “للمخالفة والعقاب” لا كوسيلة “للحماية والتنظيم”. وهذا الفهم القاصر يفرغ الغاية الأساسية من وجودها، ويحول العلاقة بين السائق والنظام المروري إلى علاقة صراع بدل أن تكون علاقة التزام ووعي.
إن بناء ثقافة مرورية سليمة يبدأ من إدراك أن الالتزام بالقانون لا يجب أن يكون رهين وجود الكاميرا، بل نابعًا من قناعة داخلية بأن هذه القواعد وضعت لحماية الأرواح والممتلكات. فاحترام الشواخص الإلزامية والتحذيرية، والالتزام بالعلامات الأرضية، ليس مجرد تفادٍ لمخالفة مالية، بل هو سلوك حضاري يعكس وعي الفرد ومسؤوليته تجاه نفسه والآخرين.
كما أن تعزيز هذه الثقافة يتطلب تكامل الأدوار بين الجهات الرسمية ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية. فالتوعية لا يجب أن تقتصر على الحملات الموسمية، بل ينبغي أن تكون مستمرة، مدعومة بأمثلة واقعية توضح أثر المخالفات على السلامة العامة. كذلك، من المهم إدماج مفاهيم الثقافة المرورية في المناهج الدراسية، لترسيخها منذ سن مبكرة.
ومن زاوية أخرى، فإن الشفافية في تطبيق المخالفات، ووضوح آليات الرصد، يسهمان في بناء الثقة بين المواطن والجهات المعنية. فكلما شعر السائق أن النظام عادل ويهدف فعلاً إلى حمايته، زاد التزامه طوعًا لا قسرًا.
ويمكن القول بأنه لا يمكن فصل التكنولوجيا عن الوعي. فالكاميرات مهما بلغت دقتها، لن تحقق أهدافها دون وجود إنسان مدرك لمسؤوليته. الطريق الآمن لا تصنعه الكاميرات، بل يصنعه السائق الواعي

