المعلم الإضافي بين سدّ الحاجة وبناء المستقبل التربوي// د. باسم القضاة

في ظل التحديات المتسارعة التي يواجهها قطاع التعليم، برزت سياسات “شراء الخدمات” في وزارة التربية والتعليم كأحد الحلول السريعة لسد النقص في الكوادر التعليمية، تحت مسمى “المعلم الإضافي”. ورغم ما يبدو في هذه السياسة من مرونة إدارية واستجابة آنية للاحتياجات، إلا أن أثرها التربوي العميق يطرح تساؤلات جدية حول جدواها واستدامتها.
لقد جاءت فكرة التعاقد مع معلمين إضافيين لتلبية احتياجات طارئة: اكتظاظ الصفوف، الإجازات المفاجئة، أو التوسع في الشعب الدراسية. وهي بلا شك تسهم في منع تعطّل العملية التعليمية شكلياً، وتضمن استمرار الحصص داخل الغرف الصفية. غير أن هذا “السد المؤقت” لا يرقى إلى مستوى البناء التربوي المتكامل، بل قد يتحول إلى عبء إذا ما استمر دون تطوير.
المعلم الإضافي غالباً ما يُلقى به في الميدان دون تدريب كافٍ أو خبرة عملية تؤهله لإدارة الصف والتعامل مع الفروق الفردية بين الطلبة. ومع تدني الأجور، التي لا تحقق الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، يصبح هذا المعلم بين مطرقة المسؤولية وسندان الحاجة، مما ينعكس على أدائه ودافعيته. وهنا تتأثر جودة التعليم، ليس بسبب ضعف قدرات المعلم، بل نتيجة غياب التأهيل والدعم الحقيقي.
من جهة أخرى، فإن الاعتماد المتزايد على هذا النمط من التوظيف يخلق فجوة واضحة في العدالة المهنية داخل المدرسة الواحدة، حيث يعمل معلمون بمهام متشابهة لكن بامتيازات وحقوق متفاوتة. وهذا بدوره يضعف روح الانتماء المؤسسي ويؤثر على بيئة العمل التربوي بشكل عام.
السؤال الجوهري هنا: لماذا لا يتم التعيين المباشر لسد هذه الحاجات؟
الإجابة تتجاوز الإطار التربوي لتدخل في اعتبارات مالية وإدارية، تتعلق بالموازنة العامة والالتزامات طويلة الأمد، إضافة إلى أنظمة التوظيف الرسمية. ومع ذلك، فإن الاستثمار في المعلم هو استثمار في مستقبل الدولة، وأي توفير مالي على حساب جودة التعليم قد يكلّف المجتمع أضعافه على المدى البعيد.
إن الحل لا يكمن في إلغاء فكرة “المعلم الإضافي” بالكامل، بل في إعادة هيكلتها بما يخدم العملية التعليمية بفعالية. ومن أبرز الخطوات المطلوبة:
توفير برامج تدريب إلزامية قبل وأثناء الخدمة، تحسين الرواتب بما يحقق الحد الأدنى من الكرامة المهنية، وضع مسار واضح لتثبيت المجتهدين، وتحديد سقف زمني لاستخدام هذا النمط كحل مؤقت لا دائم.
ختاماً، إن التعليم لا يُبنى بالحلول السريعة وحدها، بل برؤية استراتيجية تضع المعلم في قلب العملية التعليمية، وتمنحه ما يستحق من تأهيل واستقرار وتقدير. فالمعلم ليس مجرد رقم يسد نقصاً، بل هوط حجر الأساس في بناء الأجيال وصناعة المستقبل.

