ماذا يريدون من الأردن والملك؟!


منذر محمد الزغول

=

 

حقيقةً، أستغربُ من هذه الهجمةِ الشرسةِ التي يتعرضُ لها الأردنُّ وجلالةُ الملكِ في هذه الأيام، حيث أصبحَ لا همَّ للبعضِ -الذين ينفثون سمومهم من خارج البلاد عبرَ وسائلِ التواصلِ الاجتماعي- إلا كيلُ الشتائمِ للأردن؛ ملكاً وحكومةً وشعباً. وقد تضاعفَ حجمُ هذا الحقدِ الكبيرِ وخاصةً بعد العدوانِ الصهيونيِّ على غزةَ الحبيبةِ، والعدوانِ الآخرِ الذي شنته أمريكا وحليفتها “إسرائيل” على دولةِ إيران الإسلامية؛ وكأني بهذه الفئةِ التي تتمترسُ وراءَ صفحاتِ التواصلِ الاجتماعي يحمِّلون الأردنَّ وقيادةَ الأردنِّ كلَّ ما يجري في المنطقة.

 

على  أيةِ حال، فيما يتعلقُ بغزةَ الحبيبةِ وما جرى من حربِ إبادةٍ فيها على أيدي الصهاينةِ المجرمين، فلا أظنُّ أنَّ دولةً في العالمِ تعاطفت مع غزةَ وأهلها الطيبين الصابرين المرابطين كما حصلَ من الأردنِ قيادةً وشعباً، وقد بدا ذلك واضحاً من خلالِ المواقفِ التي أظهرها الأردنيون عبرَ كلِّ الوسائلِ المتاحةِ وعبرَ حجمِ المساعداتِ الذي قدمهُ الأردنُّ -وهو واجبٌ علينا ولا نمنُّ فيه على أهلنا في غزةَ الحبيبة- إضافةً إلى أنَّ المستشفياتِ الأردنيةَ لم تتوقف للحظةٍ واحدةٍ داخلَ قطاعِ غزةَ وفي كلِّ الأراضي الفلسطينية. ثم هل هناك رسالةٌ تعبرُ عن تعاطفِ الأردنِ قيادةً وشعباً وحكومةً أقوى من أن يطيرَ ملكُ البلادِ بطائرتهِ فوقَ أجواءِ غزةَ الملتهبةِ والمشحونةِ ليقدمَ المساعداتِ للأهلِ في غزة؟ وهل يعتقدُ البعضُ أنَّ الأردنَ كان يجبُ أن يخوضَ حرباً لوحدهِ للدفاعِ عن غزةَ وفلسطينَ بظلِّ صمتِ كلِّ الدولِ العربيةِ والإسلامية؟ وهل كان المطلوبُ من الأردنِ الانتحار؟ لكن رغمَ ذلك، كان جلالةُ الملكِ يقودُ حرباً دبلوماسيةً وصلَ من خلالها إلى غالبيةِ دولِ العالمِ للوقوفِ مع غزةَ وتوضيحِ حقيقةِ العدوِّ المجرمِ الحاقد.

 

أما عن العدوانِ الصهيونيِّ الأمريكيِّ على دولةِ إيران الإسلامية وردِّ إيران على العدوانِ، فالأردنُّ لم يكن ضدَّ إيران على الإطلاقِ، ولكنَّ الأردنَ كان يعلنُ صباحَ مساءَ أنه لن يسمحَ أن تكونَ أرضهُ وسماؤه ساحةً لتصفيةِ الحساباتِ، ولا ساحةً لحربٍ لا ناقةَ له فيها ولا جمل.

 

كما أنَّ موقفَ الأردنِ الرسميَّ لا يمكنُ أن يكونَ أمامَ المجتمعِ الدوليِّ إلا كما كان؛ فلو افترضنا أنَّ الأردنَ أعلنَ مثلاً وقوفه مع إيران في الوقتِ الذي لم تتجرأ دولةٌ في العالمِ -حتى روسيا والصين- أن تعلنَ وقوفها علناً مع إيران، فأيُّ نتائجَ وخيمةٍ سيتعرضُ لها الأردنُّ؟ وما الذي سيخلصنا من أمريكا وظلمها وجبروتها؟ خاصةً أيضاً أنَّ اقتصادَ الأردنِ يعتمدُ بشكلٍ كبيرٍ على أمريكا وما تقدمه للأردن. ثم إنَّ موقفَ الأردنِ الرسميَّ كان متوازناً جداً ولم يصدر أيُّ إشارةٍ أو تلميحٍ من الأردنِ لتعاطفٍ أو تأييدٍ لدولةِ الكيانِ المغتصب؛ لذلك أرى أنَّ موقفَ الأردنِ الرسميَّ، سواءً في ظلِّ العدوانِ على غزةَ أو في مجالِ العدوانِ على إيران، كان أكثرَ من ممتازٍ ومتوازناً جداً، وهو يدلُّ دلالةً كبيرةً على حنكةٍ وذكاءٍ كبيرٍ من جلالةِ الملكِ شخصياً ومن الدبلوماسيةِ الأردنيةِ، وهو الأمرُ أيضاً الذي جنَّبَ الأردنَ الدخولَ في صراعاتٍ وتوتراتٍ في هذا المحيطِ الملتهبِ، واستطعنا أن نحافظَ على أمننا واستقرارنا وجنَّبنا بلدنا الفتنَ وهذه الحروبَ والصراعاتِ التي لا تنتهي.

 

بالعودةِ إلى عنوانِ المقالِ وما الذي يريده البعضُ من وراءِ هذه الهجمةِ الشرسةِ على الأردنِ ملكاً وحكومةً وشعباً، أرى أنَّ غالبيةَ هؤلاء ينطلقون بآرائهم من أحقادٍ دفينةٍ على الأردنِ، ويحمِّلون الأردنَ وزرَ كوارثَ وصراعاتٍ حصلت في دولهم لم نكن طرفاً فيها وليس لنا أيُّ علاقةٍ فيها من قريبٍ أو بعيدٍ، بل كنا دائماً الأقربَ للأمةِ وكافةِ شعوبها. ولا أذكرُ أنَّ شعباً عربياً أو مسلماً أو أيَّ شعبٍ في العالمِ تعرضَ لأزمةٍ أو كارثةٍ إلا وهبَّ الأردنُّ بتوجيهٍ ملكيٍّ لمساعدةِ هذه الشعوبِ؛ ولمن يشككُ في ذلك، اسألوا كافةَ شعوبِ الأرضِ في العالمِ عن الأردنِ وجيشهِ ومستشفياتهِ المنتشرين في كافةِ أرجاء المعمورة.

 

أعترفُ أنَّ مَن أساءَ فهمَ الموقفِ الأردنيِّ أحيانا  هو خروجُ بعضِ المحللينَ الأردنيينَ عبرَ الشاشاتِ الرسميةِ وغيرها بتحليلاتٍ وآراءٍ مستفزةٍ ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ ولا تُمثلنا على الإطلاقِ، وقد كانت -للأمانةِ- سبباً من أسبابِ الهجومِ على الأردنِ وقيادتهِ، في الوقتِ الذي ظنَّ هؤلاءِ أنهم كانوا يدافعون عن الأردنِ وجلالةِ الملكِ، لكن للأسفِ الشديدِ كانت آراؤهم وكلماتهم التي تفوحُ منها رائحةُ الجهلِ والغباءِ أقوى علينا من سهامِ الحاقدين الذين لا يريدون فينا وبموطننا وقيادتنا أيَّ خيرٍ.

 

أخيراً، أما من أراد للأردنِ وجيشهِ وشعبهِ الانتحار، فهذا ليس من العدلِ ولا المنطق؛ فالقادةُ العظامُ والحكماءُ هم من يقودون دولهم وشعوبهم إلى الأمنِ والاستقرارِ، ويفكرون ألفَ ألفِ مرةٍ قبل اتخاذِ أيِّ خطوةٍ من شأنها أن تؤذيَ أيَّ مواطنٍ في بلدانهم. فقصصُ النزوحِ والقتلِ والتهجيرِ والتدميرِ التي أصابت الكثيرَ من دولِ العالمِ بسبب غباء قادتهم لا يمكنُ أن تصلحَ لأردننا الغالي الذي بُنيَ على العدلِ والإنسانيةِ واحتضانِ كلِّ من ضاقت به السبلُ في أرضهِ ووطنهِ.

 

 

والله من وراء القصد ،،،

 

 

 

بقلم / منذر محمد الزغول

 

ناشر ومدير وكالة عجلون الاخبارية

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.