كيف فشل رهان نتنياهو على تفجير الداخل الإيراني لإسقاط النظام ؟


مهدي مبارك عبدالله

منذ سنوات لم تتوقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن استثمار أدوات العمل السري داخل إيران في محاولة لبناء شبكات اختراق طويلة الأمد تقوم على التجسس والتخريب وتغذية التناقضات الداخلية باعتبارها مدخلا اساسيا لتغيير بنية النظام من الداخل وقد تعزز هذا التوجه مع صعود بنيامين نتنياهو الذي رأى في العمل الاستخباراتي بديلا أقل كلفة من المواجهة الشاملة حيث جرى توسيع نطاق النشاطات السرية لتشمل تجنيد عناصر محلية والتواصل مع معارضين في الداخل والخارج ورسم سيناريو يقوم على لحظة انفجار اجتماعي يتم تسريعها عبر الضغط العسكري والاغتيالات النوعية بما يخلق بيئة فوضى قابلة للتحول إلى تمرد واسع يطيح بالنظام دون الحاجة إلى حرب طويلة الامد

في هذا السياق جاءت الخطة التي حملها جهاز الموساد الاسرائيلي إلى القيادة السياسية باعتبارها وصفة جاهزة لإسقاط النظام الإيراني حيث بنيت على فرضية أن الضربات الجوية المكثفة وعمليات تصفية القيادات ستؤدي إلى إرباك مؤسسات الدولة وإضعاف مركز القرار بالتوازي مع تحريك خلايا وشبكات داخلية لدفع الشارع نحو الاحتجاج الواسع غير أن هذه الفرضية تجاهلت حقيقة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة الإيرانية وتركيبتها الأمنية والاجتماعية كما بالغت في تقدير قدرة المعارضة على التحرك تحت النار وأخطأت في قراءة سلوك المجتمعات أثناء الحروب الخارجية

مع انطلاق العمليات العسكرية بدا واضحا أن الرهان لم يستند إلى تقدير واقعي بقدر ما كان انعكاسا لرغبة سياسية في تحقيق حسم سريع فقد أظهرت الأيام الأولى غياب أي مؤشرات على اندلاع احتجاجات واسعة بل على العكس اتجه المزاج العام نحو الالتفاف حول الدولة في مواجهة التهديد الخارجي وهو سلوك تاريخي متكرر في معظم المجتمعات التي تتعرض لضغط عسكري مباشر حيث تتراجع الخلافات الداخلية لصالح أولوية البقاء الوطني وهو ما أسقط الركيزة الأساسية لخطة إشعال التمرد

العامل الأمني ايضا لعب دورا حاسما في إفشال هذا السيناريو إذ نجحت الأجهزة الإيرانية في احتواء أي محاولات تحريك داخلي عبر إجراءات سريعة شملت تفكيك شبكات مشتبه بها وتشديد السيطرة الميدانية وتفعيل قوات الباسيج والمخابرات ما حد من قدرة أي خلايا مرتبطة بالخارج على التحرك كما أن الخوف من القمع المشدد ظل عاملا رادعا أمام قطاعات واسعة من المجتمع التي قد تعارض سياسات الحكومة لكنها لا ترى في المخاطرة بحياتها خيارا مقبولا في ظل حرب مفتوحة

الرهان الإسرائيلي على ثورة الشارع الإيراني لإسقاط النظام فشل لأنه انطلق اساسا من تقدير نظري يفترض أن الضغط العسكري والضربات النوعية كفيلة بتفجير الداخل بينما أثبت الواقع أن المجتمعات في لحظات التهديد الخارجي تميل إلى إعادة التماسك لا الانقسام كما أن غياب معارضة منظمة تمتلك قيادة موحدة وقدرة على الحشد جعل فكرة الانتفاضة بلا أدوات تنفيذ حقيقية في حين لعبت القبضة الأمنية والخوف من كلفة المواجهة دورا حاسما في كبح أي اندفاع شعبي واسع فوق ذلك جاءت الضربات العسكرية بنتائج عكسية إذ عززت الحس الوطني ورفعت منسوب العداء للخارج ما أضعف قابلية الشارع للاستجابة لأي دعوة تغيير مرتبطة بعامل خارجي وبذلك تلاقت العوامل البنيوية والأمنية والنفسية لتسقط رهانا قام على وهم إمكانية صناعة التغيير من خارج الحدود لا على ديناميكيات داخلية ناضجة وقادرة على فرض مسارها الخاص

في المقابل لم يكن نتنياهو افشل محصورا في الساحة الإيرانية بل امتد ليكشف مأزقا مركبا في حساباته الإقليمية فبينما كانت الخطة تقوم على حسم سريع في إيران شهدت الجبهة اللبنانية تصعيدا نوعيا حيث تمكنت المقاومة من تنفيذ عمليات مؤثرة أوقعت خسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي ووسعت نطاق الاستهداف ليطال مواقع عسكرية وتجمعات في شمال فلسطين المحتلة وداخل الاراضي اللبنانية ما وضع القيادة الإسرائيلية أمام معادلة استنزاف مزدوجة تتآكل فيها القدرة على تحقيق إنجاز حاسم

هذا التزامن بين فشل الرهان الإيراني وتعثر الجبهة اللبنانية ألقى بظلاله على الداخل الإسرائيلي حيث بدأت تتصاعد الانتقادات السياسية والعسكرية لخيارات نتنياهو الذي وجد نفسه أمام فجوة بين الخطاب الذي وعد بنصر سريع وبين واقع ميداني معقد يتسم بطول أمد المواجهة وتعدد ساحاتها وقد انعكس ذلك في تراجع الثقة داخل المؤسسة السياسية وارتفاع حدة التباين بين القيادة السياسية والأجهزة الأمنية التي حاولت بدورها التنصل من المسؤولية عبر تبادل الاتهامات حول دقة التقديرات

الملاحظ أن العلاقة مع واشنطن لم تخرج من هذا الاختبار دون توتر حيث برزت مؤشرات على وجود امتعاض داخل دوائر القرار الأمريكية من المبالغة في عرض سيناريوهات النجاح السريع وهو ما وضع نتنياهو في موقع المدافع عن خياراته أمام حليف رئيسي بات أكثر ميلا لتقليص سقف الأهداف وتجنب الانخراط في مغامرة مفتوحة لا تملك مقومات الحسم
هذا الفشل المتواتر كشف عن خلل عميق في منهج التفكير الاستراتيجي القائم على فرض إمكانية تصنيع الثورات من الخارج أو تسريعها عبر أدوات عسكرية واستخباراتية مع العلم التحولات الكبرى داخل الدول لا تُفرض بقرار خارجي ولا تُختزل في عمليات اغتيال أو ضربات جوية بل ترتبط بسياقات اجتماعية وسياسية داخلية معقدة لا يمكن التحكم بها عن بعد وهو درس يعيد التذكير بحدود القوة الصلبة عندما تنفصل عن فهم دقيق لبنية المجتمعات

الثابت ان ما جرى ليس مجرد تعثر تكتيكي في خطة استخباراتية بل هو انعكاس لأزمة أعمق في فهم طبيعة الصراعات الحديثة وحدود القدرة على هندسة التحولات الداخلية من الخارج خاصة وان التجارب المختلفة أثبتت أن المجتمعات لا تتحرك وفق إيقاع الضربات العسكرية ولا تستجيب لإشارات تصدر من خلف الحدود بل تعيد ترتيب أولوياتها تحت الضغط الخارجي بما يعزز تماسكها لا تفككها وهذا ما أسقط جوهر الرهان الإسرائيلي من أساسه

الخلاصة : لقد كشف هذا الفشل أن القوة مهما بلغت دقتها لا تستطيع أن تنتج واقعا سياسيا بديلا إذا لم تتوافر شروط داخليا وأن اجهزة الاستخبارات كالموساد مثلا حين تبالغ في التقدير تتحول أدواتها من وسيلة دعم للقرار إلى مصدر تضليل للوقائع كما أن الرهان على الفوضى كمدخل للتغيير انقلب إلى عامل استقرار للنظام المستهدف عبر توحيد خصومه وتهميش معارضيه والأهم أن ارتدادات هذا الإخفاق لم تتوقف عند حدود الساحة الإيرانية بل طالت بنية القرار في إسرائيل نفسها حيث تآكل رصيد القيادة السياسية تحت ضغط النتائج السلبية وتوسع الشك في جدوى المغامرات المفتوحة وهو ما وضع نتنياهو أمام معادلة أكثر تعقيدا عنوانها أن الفشل في كسر الخصوم خارجيا يقود حتما إلى استنزاف داخلي يصعب احتواؤه أو تأجيل استحقاقاته

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.