موسم العزوف // سعيد ذياب سليم

 

يجلس في غرفته ـــ صومعته الصغيرة، أمامه كتاب مفتوح، يقرأ السطر الأول مرارًا، ولا يستطيع الدخول إلى النص.
أعاد قراءة الفقرة الأولى للمرة الثالثة.
الكلمات نفسها، السطر نفسه، والإحساس بالفراغ ذاته.
كان يعرف هذا الشعور جيدًا، لكنه لم يجرؤ يومًا على تسميته: العزوف.
لم تكن القراءة بالنسبة إليه هواية عابرة، بل طقسًا يوميًا يشبه التجوال تحت المطر، يفتح نوافذ الروح مستقبلا قطراته، تسره حلاوتها؛ تبلله، تغسله، تطهره من هموم الحياة.
ولم يكن يرى الكتب رزما من ورق، بل شخصيات حية تسامره ليله الطويل. فإذا رأى الريح تعبث بأوراق بعض كتبه، هش وابتسم كأنه يرى حفلة راقصة، فلا شك أن أحدهم خرج بصحبة صديقته.

وكلما اقتربت نهاية الكتاب الذي يقرأه، شعر بالحزن ، تباطأت قراءته وعانقت نظراته الكلمات مطولا كمن يخشى الوداع ويعز عليه فراق هذه المدينة.
من طبعه حبس أنفاسه، وتسارع دقات قلبه، كلما واجه أحدهم مشكلة كأداء. كثيرا ما وجد نفسه ملقى على الأرض بجوار مقعده ـــ ولا يدري كيف حدث ذلك ـــ إلا أن بطل روايته سقط في الترعة.
كان البحّار والمكتشف والمغامر؛
تسلق الجبال، وقطع الصحاري، ومشى على الشواطئ البعيدة، وركض ممتطيًا الحرية.
فإذا أنهى قراءة كتابه وضعه قريبا منه، حتى تجمّع خلّانه زرافات، حولَ سريره وفوق مكتبه وعلى رفوف غرفته.
عاد ليلة يحمل كتابا، يضمه إلى صدره كطفل صغير، سريع الخطى يستعجل الخلوة.
نزع ملابسه عنه ولبس بيجامة مريحة، جلس إلى مكتبه َيقلب كتابه، ممهّدًا للانطلاق في مغامرة جديدة، هَمَّ بفك الحبل الذي يشد القارب إلى الشاطئ، لكنه لاحظ كتابا فاغر الفم ينظر إليه في دهشة، وكأنه يقول: أتتركني هنا على الشاطئ؟
تذكر أنه لم يُنهِ الرحلة السابقة، وأن شخصيات كتابه ينتظرونه ليكملوا سرد الحكاية.
ترددت نظراته بين الكتابين، كمن يفاضل بين حسناوين، إحداهما جريئة… والأخرى غامضة.
سيطر عليه شعور غريب، لم يستطع أن يتخذ قرارا يختار بينهما.
أطفأ ضوء غرفته، خرج إلى المطبخ، وصنع كوبًا من الشاي حلو المذاق وأضاف إليه بعض أوراق النعناع الأخضر.
جلس أمام التلفاز يتابع قناة الأخبار المفضلة، يرتشف من كوبه متناسيا المشكلة التي تركها على طاولة مكتبه.
عندما أدركه النعاس تسلل إلى غرفته المظلمة، اندس في فراشه تاركا كتابيه في برد العزلة.
في اليوم التالي، عاد حاملا طردا بريديا، كان قد سبق وطلب كتبا جديدة، قام برصها في صف واحد في متناول يده.
وفي الوقت المخصص للقراءة، لعب والكتب لعبة “الاستغماية”، أغمض عينيه ومد يده وتناول كتابا يقرأه.
قرأ صفحة العنوان، واستعرض المعلومات عن دار النشر ورقم الإصدار، ثم قلب الكتاب وقرأ المعلومات المذكورة حول الكاتب و مؤلفاته.
استعرض فهرس الكتاب ، ثم بدأ يقرأ السطر الأول من الفصل الأول من الرواية.
وكأنه يتعرف على شخص التقاه لأول مرة، كأن كليهما يتكلم بتحفظ.
أراح ظهره ووضع الكتاب بعيدا عن عينيه. رفع قدميه على الطاولة طلبا للراحة.
أعاد قراءة الفقرة الأولى.
نظر إلى الكتب التي أمامه تنتظر دورها.
عاد بنظره إلى الفقرة الأولى، شاهد الكلمات تسير في صفوف متوازية، اهتز السطر الأول كأنه وتر قيثارة، بدأت تختفي الأحرف خلف غلالة ضبابية، تثاءب وترك الكتاب على الطاولة وخرج إلى الشرفة.
حلّ الصيف بطقوس غوايته. ألعاب الماء، الجلسات المسائية مع الصحب في الحدائق والمقاهي، والنزهات.
بدأت دعوات الأصدقاء، تمثل تحديات حقيقية بين حاجته للقراءة، والتزاماته الاجتماعية.
زاد في تشتيت تركيزه سهولة الوصول للمعلومة، وكثرة المصادر الرقمية.. وسحر الشاشات.
انقسم أصدقاؤه: البعض يستخدم الأجهزة ذات الشاشات الذكية وآخرون يقلبون أوراق كتبهم بالطريقة القديمة.

وغدت المنافسة قوية، فهناك الملفات الصوتية والمرئية، والكتب الرقمية المتوفرة بخصائص تناسب الهاتف المحمول أو القارئ الالكتروني.
كانت تنطلق نغمة الهاتف كل دقيقة، وتضيء شاشته بالألوان والحركة، بينما ظل الكتاب مفتوحًا على الصفحة نفسها منذ ساعة.

اكتشف أن ما يمر به ليس خيانة شخصية للكتب، بل حالة يعرفها القراء جيدًا، يسمونها فتور القراءة، ولكلّ منهم طريقته في النجاة منها.
كان يعتد برأيه، ولا يسمع نصح الآخرين بسهولة، بل يبتسم استخفافا عند سماع محاولاتهم.
مضت شهور، لم يقرأ فيها كتابا واحدا. تراكمت ذرات الغبار على رفوف مكتبته، وعلى أغلفة الكتب المهجورة هنا وهناك، فإذا رءاها شعر بالأسى كمن رأى وجه حبيبته التي هجرته في الزحام.
استقبل يوما رسالة إلكترونية من صديق، يرفق بها كتابا إلكترونيا، ويسأله صديقه رأيه في الكتاب، وملاءمته للقراءة من قبل فتى مراهق.
صارحه صديقه أنه لم يجد أحدا لديه الخبرة في هذا المجال سواه. وصف له الطريقة المناسبة لقراءة الملف عبر تطبيقٍ خاص.
ابتسم بينه وبين نفسه وقد أعجبه الإطراء، واستعد ليقوم بالواجب تجاه صديقه، نزّل التطبيق على سطح جهازه، وفتح من خلاله ملف الكتاب الإلكتروني.
كانت تلك تجربته الأولى مع هذا التطبيق، يمكنه تغيير السطوع وحجم الخط وطريقة التصفح.
بدأ يقلب الصفحات وكأنها أوراق كتاب عادي، خط واضح مشجع للقراءة.
بدأ الكاتب مخاطبًا القارئ بطريقة مستفزة، يقول فيها أنا لا أنتظر عطفك، ولا أنتظر مواساة منك، هذه قصتي وهذا ما حدث لي، وإن كُتب لي أن أعيد التجربة مرة أخرى، فلن أغفل أي حدث من أحداثها بل سأكون سعيدًا بالألم والفرحة.
أسره الكاتب بأسلوبه الذي يخاطب به قارئه، استمر يقلب الصفحات، انسابت عيناه على السطور كما تجري المياه في الجداول، غابت الشمس، أظلمت الغرفة، ولم تبقَ سوى الشاشة ترسل إشعاعها، عندما وجد نفسه ينظر للصفحة الأخيرة ويبتسم بسعادة كمن التقى فجرًا جديدًا.
هَمَّ بكتابة تقييمه للكتاب، لكنه لم يكتب سوى عبارة واحدة : شكرا لك يا صديقي.
في إجازته إلى مدينة شاطئية، رتّب أغراضه، ووضع كتابه في حقيبته، واطمأن إلى مكتبته الصغيرة في هاتفه، شعر أن القراءة لم تمت يومًا؛ كانت فقط تختبئ قليلًا.
سعيد ذياب سليم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات علاقة