من إعادة إيران للعصر الحجري إلى محوها عن الأرض ترامب عالق بين تضخيم التهديد وعجز التنفيذ !


مهدي مبارك عبدالله

 

في لحظة باتت اكثر دقة وحساسية وصعوبة تبدو فيها اللغة السياسية أكثر ضجيجاً من الوقائع الميدانية يطل دونالد ترامب على العالم كعادته بخطاب متقلب يتراوح بين أقصى التهديدات اللفظية وأدنى مستويات الإنجازات الفعلية حيث انتقل في غضون أسابيع من وعده السابق بإعادة إيران إلى العصر الحجري إلى وعيده الحالي بمحوها عن وجه الأرض في تصعيد لغوي غير مسبوق يعكس مأزقاً مركباً يعيشه أكثر مما يعني قوة حاسمة والمشكلة الاساسية لم تعد في ارتفاع سقف التهديد بل في فجوة التنفيذ التي تتسع يومياً بعدما تحوّلت تصريحاته إلى عبء سياسي بدل أن تكون أداة ردع حقيقية وفعالة

في الماضي القريب خرج ترامب بسلسلة من التصريحات المتناقضة التي عكست حجم الارتباك في إدارة الصراع الدائر في المنطقة حيث توعد مطلع أبريل من عام 2026 بإعادة ايران إلى العصر الحجري عبر استهداف بنيتها التحتية الحيوية من كهرباء ونفط ومرافق أساسية ضمن ما سماه عملية الغضب الملحمي بهدف منعها من تطوير قدراتها النووية وفرض شروط أمريكية جديدة عليها وقبل ايام قليلة صعد لهجته إلى مستوى غير مسبوق ملوحاً بمحو إيران من على وجه الأرض في حال استهدفت المصالح أو القوات الأمريكية المرافقة للسفن ضمن خطة الحرية في مضيق هرمز وهذا التقلب السريع يمثل تحول دراماتيكي في الخطاب يكشف انتقالاً من منطق الضغط العسكري المحدود إلى التهديد الوجودي الشامل كما يطرح تساؤلات عميقة حول دوافع هذا التصعيد وتوقيته وحدود القدرة على ترجمته إلى واقع فعلي في ظل توازنات معقدة تحكم المشهد الإقليمي والدولي بكل تفاصيبه

منذ انطلاق العدوان الصهيو امريكي على ايران حاول ترامب جاهدا رسم صورة نصر سريع وحاسم معتمدا على تفوق عسكري هائل ومخزون خطابي قائم على مبدأ الصدمة والترويع غير أن الأسابيع الأولى من الحرب كشفت تناقضاً صارخاً بين الادعاء والنتيجة حين أعلن عن تدمير الجزء الأكبر من القدرات الإيرانية وتحدث عن حدوث شلل كامل في بنيتها العسكرية والاقتصادية لكنه في الوقت نفسه واصل التهديد بضرب ما تبقى ما يعني ضمناً أن الأهداف لم تتحقق وأن الرواية المعلنة لا تتطابق مع الواقع الميداني

هذا التناقض المثير لم يكن تفصيلاً عابراً بل تحول إلى نمط متكرر في سلوك الإدارة الأمريكية حيث ترافقت لغة الحسم مع استمرار التفاوض عبر وسطاء إقليميين وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً كيف يمكن الجمع بين خطاب الإبادة الشاملة ومنطق التسوية السياسية في آن واحد وكيف يمكن لدولة تدعي أنها أنجزت أهدافها أن تواصل الضغط لتحقيق ما تزعم أنه تحقق بالفعل هنا تتبدى أزمة المصداقية كأحد أخطر تداعيات هذا المسار المزيف

الأخطر في خطاب ترامب أنه لم يكتف بإعادة تدوير تعبيرات تاريخية مثل العودة إلى العصر الحجري بل صعّدها إلى مستوى التهديد بمحو دولة كاملة بما تحمله من دلالات وجودية وهو تهديد سبق أن أطلقه أيضاً في سياقات أخرى حين ربط مصير إيران ووجودها بمحاولة اغتياله في مؤشر واضح على شخصنة الصراع وتحويله من نزاع جيوسياسي إلى مواجهة ذات طابع انتقامي وهو ما افقد الخطاب توازنها الاستراتيجي ووضعه في خانة الانفعال السياسي أكثر من كونه تعبيراً عن عقيدة عسكرية مدروسة وراسخة

بالنظر الى النتائج تكشف المعطيات أن قائمة الأهداف التي رُفعت في بداية الحرب لم تجد طريقها إلى التحقق فقد فشل الرهان على إسقاط النظام الإيراني كما لم يتحقق الهدف المتعلق بتصفير صادرات النفط أو السيطرة على مفاصل الطاقة ولم تنجح الضغوط في فتح الممرات البحرية بالقوة كما أن الرهان على الداخل الإيراني لإحداث تغيير سياسي سقط أمام تماسك البنية الداخلية للدولة بل إن الحرب أدت إلى نتائج عكسية تمثلت في تعزيز الصمود والمواجهة وتحويل التهديد الخارجي إلى عامل تعبئة داخلية منظمة

في المقابل واجهت الولايات المتحدة تحديات متزايدة على مستوى تحالفاتها حيث لم تتمكن من حشد دعم أوروبي واسع كما تراجعت قدرتها على فرض عزلة دولية على طهران وهو ما يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي حيث لم تعد القوة العسكرية الطاغية وحدها كافية لفرض الإرادة السياسية خاصة في ظل توازنات جديدة تفرض على واشنطن إعادة حساباتها فيها من جديد

المواجهة المتصاعدة بين امريكا وايران اظهرت على المستوى العسكري حدود التفوق التكنولوجي حين تعرضت بعض المنظومات الدفاعية المتقدمة لاختبارات صعبة في الميدان وهو ما أضعف صورة الردع التقليدي وأثار تساؤلات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها حيث برزت مؤشرات على تباينات داخلية بين القيادات العليا وهو أمر نادر في سياق الحروب التي يفترض أن توحد الصفوف لا أن تفتح باب التشكيك والاختلاف

على المستوى اقتصادياً لم يكن الوضع أفضل حالاً حيث ارتفعت كلفة الحرب داخلياً وتزايد الضغط على الإدارة الأمريكية في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع التأييد الشعبي للحشود العسكرية ما أدى إلى تآكل القاعدة السياسية التي طالما استند إليها ترامب وهو ما دفعه إلى مزيد من التصعيد الخطابي لتعويض الخسارة الميدانية في محاولة غير موفقة لإعادة إنتاج صورة القوة عبر اللغة المجردة بدل الفعل الحقيقي

في ضوء كل ذلك يمكن القول إن خطاب ترامب انتقل من كونه أداة ردع إلى محاولة لتغطية الفشل عبر تضخيم التهديدات وإعادة تدويرها بصيغ أكثر حدة وبدلاً من الاعتراف بتعقيدات المشهد اختار رفع السقف إلى حدوده القصوى وهو خيار قد يحقق صدى إعلامياً لكنه لا يصنع واقعاً سياسياً جديداً بل على العكس قد يقود إلى مزيد من التآكل والضعف في الهيبة الاقليمية والدولية

المفارقة الأساسية في المشهد العام تكمن في أن القوة حين تعجز عن ترجمة نفسها إلى نتائج ملموسة تتحول إلى عبء على صاحبها وهو ما يبدو جلياً في الحالة الراهنة حيث باتت الولايات المتحدة فعلا أمام معادلة صعبة عنوانها أن الإفراط في التهديد دون قدرة على التنفيذ لا يضعف الخصم ابدا بقدر ما يكشف حدود القوة نفسها وهنا تحديداً تتجلى دلالة العنوان الذي اخترناه حيث يتحول الانتقال من إعادة إيران إلى العصر الحجري إلى محوها عن وجه الأرض إلى مجرد إعادة تدوير للفشل بصيغة أكثر صخباً وأقل تأثيراً

ربما يكون من الضروري جدا مع هذا الواقع المعقد اجراء مراجعة جادة في خطابات ترامب المستفزة لان استمراره في توظيف لغة التهديد الفارغ والاستعراض القائم على منطق البلطجة وارباب السوابق لا ينسجم كليا مع مسؤولية قيادة دولة بحجم الولايات المتحدة ولا يخدم ايضا استقرار النظام الدولي ولا مصالح شعوب المنطقة والتجارب القريبة أظهرت بوضوح أن التصعيد اللفظي وشن الحرب لم ينجحا في إرغام إيران على الرضوخ للشروط الأمريكية الإسرائيلية بل أسهما في تعقيد المشهد وزيادة منسوب التوتر والتصلب

بموازاة ذلك إن التلويح المتواصل بأفكار قصوى من قبيل محو دولة كاملة لا يفتح باب الردع بقدر ما يستدعي منطقاً مقابلاً يقوم على التهديد الوجودي المتبادل وهو مسار خطير قد يطال الجميع بلا استثناء ويقود في النتيجة إلى تداعيات لا يمكن احتواؤها وعليه فإن الرهان الأكثر عقلانية يكمن في العودة إلى لغة السياسة والحوار وإعادة الاعتبار للحلول الدبلوماسية القائمة على التوازن والاعتراف بالحقائق بدل الإصرار بغباء على خطاب بات يتآكل مع كل اختبار عملي ويكشف محدودية أثره في تغيير الوقائع

ختاما : يبدو في التحليل السياسي العميق أن بنية هذا المشهد المتقلب تتجه نحو إعادة تعريف موازين القوة في المنطقة خاصة وان الحروب لم تعد تحسم بالتصريحات ولا بالضربات المحدودة بل بقدرة الأطراف على الصمود وإدارة الصراع على المدى الطويل بفاعلية وكفاءة وهو ما يضع خطاب ترامب في موقع الاختبار التاريخي بين منطق القوة ومنطق الواقع حيث اثبت الأيام أن الإرادة السياسية الصلبة قادرة على امتصاص أقسى التهديدات وأن من يبالغ في التهديد والوعيد قد يجد نفسه في نهاية المطاف أسير كلماته وتصريحاته أكثر مما هو صانع للوقائع والأحداث

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.