استيراد 11.5 مليون لتر حليب يدخل مربي الأبقار نفقا مظلما.. و”الزراعة” توضح

– أثارت قضية إغلاق مصنع ألبان مؤخرا، تساؤلات حول مستقبل هذا القطاع الحيوي في الأردن، خصوصا أنه يرتبط بالملف الشائك حول الحليب طويل الأمد، الذي لم يعد مجرد قضية استيراد أو منافسة سعرية، بل بات اختبارًا لقدرة الحكومة على حماية قطاع حيوي مرتبط بالأمن الغذائي والاقتصاد الريفي.
وبين مطالب مزارعين بتشديد الرقابة على استيراد الحليب المستورد، وتأكيدات وزارة الزراعة باستمرار خطة توطين هذا الحليب في الأردن، تبرز الحاجة إلى سياسة متوازنة تحمي المنتج المحلي، وتراعي احتياجات الصناعة، وتؤسس لصناعة وطنية قادرة على إنتاج الحليب طويل الأمد محليًا، بما يعزز استقلالية الأردن الغذائية على المدى الطويل.
بين النفي والتأكيد
ورغم التأكيدات الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة بشأن المضي في خطة توطين الحليب طويل الأمد وحماية المنتج المحلي، تتصاعد مخاوف لدى مربي الأبقار من انعكاسات الاستيراد المتزايد للحليب طويل الأمد وجبنة الحلوم على قدرتهم في تسويق إنتاجهم المحلي، وسط تحذيرات من خسائر كبيرة قد تهدد استمرارية عدد من المزارع.
وكانت وزارة الزراعة وضعت العام الماضي سياسة الكوتا، التي حددت نسبة استيراد الحليب طويل الأمد بـ20 % لمدة 5 سنوات، وعدم دخول جبنة الحلوم بهدف حماية السوق المحلي ومنح الصناعة الوطنية وقتًا كافيًا للتكيف، إلى جانب دراسة الكميات المتوفرة في الأسواق.
وبناء على ذلك تم إصدار كتاب من وزارة الزراعهً بهذا الخصوص، إضافة إلى إبرام اتفاقية بين وزارة الزراعة وجمعية ائتلاف مربي الأبقار، للبدء بتطبيق الاتفاق سنة 2025، وجاءت النتائج مبشرة وانعكست فوائدها على المزارعين والمصانع، حيث كان سعر المنتج المحلي يماثل المستورد، وبدأت عملية التصدير للخارج، الأمر الذي دفع مزارعين ومستثمرين من الخارج بإنشاء مصانع لصناعة الحليب طويل الأمد، وتشغيل أيد أردنية لتخفيض نسب البطالة.
غير أن مربي أبقار اشتكوا من أن الوزارة لم تلتزم بتطبيق هذه السياسة بالشكل المطلوب، حيث قامت بتجميد القرار هذا العام وعدم تطبيقه بناء على طلب من وزير الزراعة، ما تسبب، بحسبهم، بدخول كميات كبيرة من المنتجات المستوردة إلى السوق، وخلق منافسة مباشرة مع الحليب المحلي، فيما أكد مساعد الأمين العام للثروة الحيوانية في وزارة الزراعة، المهندس مصباح الطراونة، أن الوزارة مستمرة بتطبيق خطة تخفيض استيراد الحليب طويل الأمد، والتي جرى وضعها بالتنسيق مع المزارعين ومربي الأبقار، بهدف حماية المنتج المحلي.
وجاء هذا التأكيد الرسمي في وقت يطالب فيه مربو الأبقار برقابة أكثر صرامة على الكوتا، وضمان عدم تجاوز الكميات المسموح باستيرادها، بما يحافظ على توازن السوق.
أرقام تكشف الاستيراد
بحسب بيانات دائرة الجمارك التي حصلت عليها “الغد”، بلغت كمية الحليب طويل الأمد المستورد منذ بداية العام حتى الأول من أيار/مايو 2026 نحو 11.5 مليون لتر، وهي كمية تكفي احتياج المملكة لمدة عام كامل.
كما أظهرت البيانات استيراد جبنة حلوم بكمية مليون وربع طن، وبقيمة تصل إلى 5 ملايين دينار، وهو ما يعادل نحو 10 ملايين لتر من الحليب سنويًا، أو ما يقارب 25 طن حليب يوميًا.
في المقابل يبلغ الإنتاج اليومي المحلي من حليب الأبقار نحو 1200 طن، فيما يتجاوز عدد الأبقار في المملكة 100 ألف رأس، ورغم هذا الحجم الإنتاجي، يواجه المزارعون صعوبة متزايدة في تسويق الحليب الطازج نتيجة دخول كميات كبيرة من الحليب طويل الأمد المستورد إلى السوق وجبنة الحلوم.
ويرى ممثلو القطاع أن هذا الواقع أدى إلى فائض في الحليب الطازج، وضغط على مصانع الألبان، وتراجع قدرة بعضها عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه المزارعين، وصولًا إلى إغلاق أحد مصانع الألبان مؤخرًا.
مؤشرات خطيرة
من جهته، قال رئيس جمعية ائتلاف مربي الأبقار، المهندس ليث الحاج، إن قطاع الأبقار يمثل جزءًا مهمًا من ملف الأمن الغذائي الوطني، ويتقاطع مع الرؤية الملكية لتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي ودعم الاقتصاد الوطني.
وأشار الحاج إلى أن الجمعية حاولت لقاء وزير الزراعة لعرض التحديات التي تواجه المزارعين، إلا أن اللقاء لم يتم، لافتًا إلى أن الوزارة أبلغت الجمعية باستمرارها في خطة توطين الحليب المحلي.
وأضاف أن دخول كميات كبيرة من الحليب طويل الأمد وجبنة الحلوم المستوردة أدى إلى تراجع سعر الحليب المحلي إلى نحو 25 قرشًا للكيلو، في حين تصل تكلفة إنتاج اللتر الواحد منه إلى نحو 48 قرشًا، وسط ارتفاع كلف الأعلاف والتشغيل والشحن.
وحذر الحاج من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إغلاق العديد من المزارع، وتراكم الخسائر والديون على مربي الأبقار، واصفًا الأزمة بأنها “نفق مظلم” يهدد مستقبل القطاع.
ما بعد المنافسة التجارية
بدوره، رأى الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي، الدكتور فاضل الزعبي، أن قطاع الألبان في الأردن يعد من الأعمدة الأساسية للأمن الغذائي الوطني، كونه يرتبط مباشرة بالاقتصاد الريفي ومزارع الأبقار التي توفر مصدر رزق لآلاف الأسر.
وأوضح الزعبي أن الحليب طويل الأمد، أو ما يعرف بحليب UHT، يعالج حراريًا بدرجات عالية ليصبح صالحًا للتخزين لفترات طويلة دون تبريد، وغالبًا ما يستخدم في الصناعات الغذائية مثل الحلويات والمخبوزات والمنتجات المعلبة والمطاعم والمقاهي وفي معظم البيوت الأردنية لما يشكله الحليب من ثقافه يومية لدى الأسر الأردنية.
واستدرك: “إلا أن إدخال كميات كبيرة منه إلى السوق الأردنية انعكس سلبًا على الطلب على الحليب الخام المحلي، وخفض الأسعار إلى مستويات تقل عن تكلفة الإنتاج، ما يضعف قدرة المزارع الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار.”
وأشار الزعبي إلى أن دولًا مثل المغرب وتونس واجهت تحديات مشابهة عبر فرض قيود على استيراد الحليب طويل الأمد، بالتوازي مع دعم إنشاء مصانع محلية لإنتاجه.
كما لفت إلى أن بعض الأسواق الناشئة ربطت الاستيراد ببرامج تلزم الصناعات الغذائية باستخدام نسبة محددة من الحليب المحلي، لضمان استمرار المزارع الوطنية وتحقيق التوازن بين الاستيراد والإنتاج المحلي.
ويرى الزعبي أن الحل في الأردن يتطلب مجموعة من الإجراءات العملية، أبرزها تشديد الرقابة على الكوتا، وضمان عدم تجاوزها، ودعم إنشاء مصانع محلية لإنتاج الحليب طويل الأمد من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى تحفيز الصناعات الغذائية على استخدام الحليب المحلي عبر حوافز ضريبية أو دعم مباشر.
الغد عبدالله الربيحات

