استقرار الاجتهادات القضائية ليس ترفاً

محامي محمد صدقي الغرايبة
القضاء في كل دول العالم لا يقتصر دوره على الفصل في الخصومات وإصدار الأحكام فحسب بل تتجاوز رسالته ذلك إلى صناعة الطمأنينة القانونية داخل المجتمع.
فكلما استقرت الاجتهادات القضائية واستقرت معها المبادئ القانونية شعر الناس بالأمان على حقوقهم والتزاماتهم وأصبح بإمكانهم ترتيب أوضاعهم القانونية والمالية والاجتماعية على أساس واضح ومستقر أما عندما تتضارب القرارات وتتناقض الأحكام في المسألة القانونية الواحدة فإن ذلك ينعكس بصورة مباشرة على ثقة الناس بالقضاء وعلى فكرة العدالة ذاتها.
إن استقرار الاجتهاد القضائي ليس ترفاً فكرياً ولا مسألة شكلية بل هو ضرورة لتحقيق الأمن القانوني وحماية المراكز القانونية للأفراد والمواطن او المقيم على ارض الدولة عندما يلجأ إلى القضاء يريد أن يعلم بأن القانون يطبق على الجميع بمعيار واحد وأن الحكم القضائي لا يتبدل بتبدل الهيئة الحاكمة أو المحكمة المختصة بنظر النزاع أو باختلاف الزمان ما دامت الوقائع متشابهة والقواعد القانونية واحدة.
وتبرز خطورة تضارب القرارات القضائية عندما تصدر أحكام متناقضة في ذات المسألة القانونية فتجد شخصاً يحصل على حقه استناداً إلى اجتهاد معين بينما يحرم شخص آخر من ذات الحق رغم تشابه الوقائع والظروف وهنا تتزعزع فكرة المساواة أمام القانون لأن العدالة لا تتحقق فقط بصحة الحكم وإنما تتحقق أيضاً بوحدة المعايير القضائية واستقرارها.
كما أن تضارب الاجتهادات يؤدي إلى اضطراب المراكز القانونية للأفراد والشركات والمؤسسات فالتاجر أو المستثمر أو الموظف أو العامل عندما يعجز عن توقع الاتجاه القضائي في تفسير النصوص القانونية يصبح عاجزاً عن ترتيب التزاماته أو حماية حقوقه بصورة مستقرة وهذا ينعكس سلباً على البيئة الاقتصادية والاجتماعية ويؤدي إلى كثرة النزاعات وإطالة أمد التقاضي.
والأخطر من ذلك أن تضارب الأحكام قد يفتح الباب أمام الشعور بعدم العدالة لأن الناس بطبيعتها تقارن بين الأحكام وعندما ترى اختلافاً كبيراً في نتائج القضايا المتشابهة يتولد لديها شعور بأن الحقوق أصبحت رهينة لاختلاف التقدير الشخصي لا لسيادة القانون وهذا الشعور يمس هيبة القضاء وثقة المجتمع به مهما كانت نوايا القضاة وعدالتهم.
ولا يعني استقرار الاجتهاد القضائي الجمود أو منع التطور القانوني فالقضاء بطبيعته يتطور مع تطور المجتمع لكن التطور يجب أن يكون منضبطاً ومبنياً على أسباب قانونية واضحة وحاجات واقعية حقيقية لا على التناقض والاضطراب فالتراجع عن اجتهاد مستقر قد يكون مطلوباً أحياناً إذا تبين عدم ملاءمته أو مخالفته لمبادئ العدالة إلا أن هذا التغيير يجب أن يتم بصورة مدروسة وواضحة تحقق الاستقرار ولا تهدمه.
من هنا تظهر أهمية المحاكم العليا في توحيد المبادئ القانونية وترسيخ الاتجاهات القضائية المستقرة لأن وظيفة هذه المحاكم لا تقف عند تصحيح الأخطاء بل تمتد إلى توحيد تفسير القانون وتحقيق المساواة بين المتقاضين فاستقرار الاجتهادات القضائية يشكل أحد أهم الضمانات لتحقيق العدالة وسيادة القانون.
إن العدالة ليست مجرد حكم يصدر في قاعة المحكمة بل هي شعور عام بأن القانون يطبق بصورة مستقرة وعادلة على الجميع دون تمييز أو تناقض ولذلك فإن استقرار الاجتهاد القضائي يعد من أهم ركائز الدولة القانونية ومن أعظم الضمانات لحماية الحقوق والحريات وتحقيق الثقة بالقضاء وهيبة القانون.
المحامي
محمد صدقي غرايبه

